القدس المحتلة -واثق-في مشهد يعكس الواقع المؤلم لأطفال القدس، يرقد الطفل المقدسي أمير حداد (12 عامًا) في مستشفى هداسا عين كارم، بعد إصابته برصاصة معدنية مغلفة بالمطاط أطلقها عليه جنود الاحتلال خلال اقتحامهم لمخيم شعفاط شمال القدس، مساء الخميس العاشر من أبريل/نيسان الجاري.
يروي والده، رامي حداد، لحظات الرعب التي عاشها، قائلاً إن أمير خرج لشراء طعام للطيور برفقة صديقه، لكنه لم يعد كما خرج. "ركب دراجته، وبعد عشر دقائق سمعت صراخ أطفال الحي: أمير تصاوب!"، يقول الوالد، مضيفًا أنه وجده مضرّجًا بدمائه قبل نقله إلى المستشفى.
وأكد الوالد أن الإصابة وقعت دون أي مواجهات في المنطقة، نتيجة إطلاق الاحتلال العشوائي للغازات والرصاص المطاطي خلال اقتحاماته المتكررة للمخيم. وأضاف: "كان أمير على مرتفع عندما استدار ناظرًا نحو الجنود، فأطلق أحدهم الرصاصة التي أصابته أعلى عينه اليسرى، فسقط وفقد وعيه".
في المستشفى، تبين أن أمير يعاني من كسر في الجمجمة وضغط على عصب العين، مما تسبب بفقدانه القدرة على تحريكها، وأُجريت له عملية لإزالة العظام المهشمة، لكنه لا يزال يعاني من نزيف داخلي.
وعن حالته النفسية، يقول والده إن أمير لا يتذكر شيئًا من الحادث، مؤكدًا أنه لن يتنازل عن حق ابنه في ملاحقة الجناة قضائيًا، رغم عدم ثقته بالعدالة.
مثل بقية أطفال مخيم شعفاط، لم يحظَ أمير بطفولة طبيعية. فالمخيم يفتقر للملاعب والحدائق، ولا يجد الأطفال ملاذًا للعب سوى الأزقة الضيقة، والتي لم تعد آمنة مع الاقتحامات المتكررة للاحتلال. ويصفه والده بأنه طفل هادئ ومحب للرياضة، وخصوصًا كرة القدم وركوب الدراجة، وهي هوايات قد يُحرم منها طويلًا بسبب إصابته.
وتعليقًا على هذه الحادثة، أصدر المحامي والخبير في الشؤون الحقوقية عصام عابدين دراسة تحليلية بإشراف مؤسسة الرؤيا الفلسطينية، بعنوان "الأسباب الرئيسية للعنف، التعذيب وسوء المعاملة، والتطلعات المستقبلية"، تناول فيها واقع الطفولة في القدس المحتلة.
استعرضت الدراسة أنماطًا متعددة من الانتهاكات، أبرزها القتل المتعمد والإصابات الجسيمة، واستندت إلى تقرير لمنظمة "اليونيسيف" الصادر في يوليو 2024، والذي أشار إلى ارتفاع بنسبة 250% في عدد ضحايا الأطفال في الضفة الغربية والقدس منذ أكتوبر 2023.
كما وثقت الدراسة سياسة الاعتقال العشوائي التي تستهدف الأطفال، مشيرة إلى أن 700 طفل على الأقل تم اعتقالهم في القدس والضفة الغربية خلال عام 2024، معظمهم من القدس. وأبرزت الدراسة أيضًا ظاهرة "الحبس المنزلي" التي طالت أكثر من 600 طفل مقدسي عام 2022.
واعتبرت الدراسة أن هذه الانتهاكات، بما فيها التعذيب وسوء المعاملة وتشتيت العائلات، ترقى إلى جرائم دولية بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بل وتُصنّف كجرائم اضطهاد وفصل عنصري، ضمن ما يعرف بـ"تعدد الجرائم الدولية".
كما أشارت إلى الأثر النفسي والاجتماعي العميق على الأطفال وعائلاتهم، وأكدت ضرورة فهم الواقع المركّب داخل الجدار العازل بالقدس لتصميم تدخلات فاعلة ومراعية للسياق المحلي.
وختمت الدراسة بتوصيات على ثلاثة مستويات:
-
المستوى الدولي: تحميل سلطات الاحتلال والمجتمع الدولي مسؤولياتهم القانونية والإنسانية تجاه أطفال القدس.
-
المستوى الوطني: دعوة مؤسسات دولة فلسطين لتحمل دورها في حماية الطفولة المقدسية.
-
المستوى المحلي: ضرورة تعزيز التنسيق بين المؤسسات العاملة في القدس، وإجراء تقييمات دقيقة لبرامجها، وتوحيد الجهود والموارد لمواجهة التحديات في ظل بيئة معقدة يهيمن عليها الاضطهاد والعزلة.



