نابلس- واثق نيوز-تقرير :سهير سلامة ـ في قلب مدينة نابلس، حيث تتناثر بين أزقتها القديمة روائح الفل والياسمين، وعبق التاريخ، يفوح بين جنبات حاراتها وازقتها القديمة ،تبرز عادة جميلة وموروث أصيل، عمره اكثر من اربعة قرون، إنها "عزائم شعبان"، احدى ألوان الثقافة الشعبية التي تضيء ليالي المدينة، في شهر شعبان من كل عام، هذه العزائم، التي هي مزيج من الطقوس الاجتماعية والتقاليد الدينية، تمثل رمزا حقيقيا للكرم الفلسطيني الاصيل، واحتفالا عائليا رزين، كما انها تمجيد لموسم من مواسم الفرح، والبهجة والسرور، والهاما روحانيا، في ليال مضيئة، تحت سماء مدينة الكرم والاصالة.
فيها تتجسد معنى الضيافة النابلسية بأبهى صورها، إذ تصبح عزائم شعبان أكثر من مجرد مائدة ممتلئة بالطعام، بل هي لوحة حية من التلاحم الاجتماعي والترابط العائلي المتين.
ما هي عزائم شعبان؟ ..
عزائم شعبان هي تقليد شعبي نابلسي، متأصل في الثقافة النابلسية، تقام في ايام شهر شعبان، حيث يحتفل بقدوم الشهر الفضيل، وتُعد بمثابة استعداد نفسي وروحي لشهر رمضان المبارك. هذه العزائم، تكون محطات اجتماعية حيث يتجمع الأهل والاقرباء حول مائدة واحدة يتبادلون خلالها الأحاديث الودية والذكريات القديمة، ويتقاسمون الطعام الذي هو في جوهره رمز للكرم والضيافة.
لكن عزائم شعبان ليست مجرد مناسبة لتبادل الطعام، بل هي موعد روحي من نوع خاص، حيث يرتبط هذا التقليد ارتباطا عميقا بالروحانية، وتُعتبر فرصة للترابط الاجتماعي والتجديد الروحي، استعدادا للصيام في رمضان.
الأبعاد الأدبية لعزائم شعبان ..
من الناحية الأدبية، تمثل عزائم شعبان نافذة نطل منها على مجتمع نابلسي أصيل، يموج بالحب والدفء والترابط الإنساني، يجسد هذا التقليد أكثر من مجرد دعوة للكرم، بل هو قصيدة تروي قصة شعب ينبت من تراب أرضه، ويستمد قوته من تقاليده العريقة. هنا، ليس هناك مجال للفروق الاجتماعية أو الاقتصادية، بل تصبح المائدة متناغمة مع ألوان الفرح والتكاتف،
تعود بهم عزائم شعبان إلى أزمنة سابقة، حينما كانت العائلات تستقبل بعضها البعض بتبجيل وحفاوة، إذ تُعد الأطباق التقليدية كالمقلوبة، والمسخن، والمفتول،... والكنافة النابلسية، إلى جانب القهوة العربية التي تملأ الأجواء برائحتها الزكية. وعلى الرغم من مرور الزمن وتغير بعض العادات، إلا أن روح تلك العزائم ما زالت باقية، مثل أصداء قصائد حب وتقدير تتلى على مسامع الحضور، فيرون في اللحظة كما لو أن الزمان قد توقف ليعيد إليهم تلك الأيام الذهبية.
الرمزية الأدبية في العزائم ..
تكمن رمزية عزائم شعبان في أنها ليست مجرد طقوس مرسومة على جدران الزمن، بل هي في الحقيقة مدونة حية من القيم. في هذه العزائم، نجد أن كل طبق يُقدَّم هو بمثابة كلمة، وكل ضيف هو بحجم قصيدة مكتوبة في دفتر الذاكرة. الطعام هنا ليس مجرد غذاء للجسد، بل غذاء للروح، حيث يلتقي الكرم مع الوفاء، والفرح مع البهجة، والذكرى مع الحاضر.
وتُعد عزائم شعبان تعبيراً عن النخوة الفلسطينية التي تتجسد في أسمى صورها خلال الشهر الفضيل، فتخيل، ان هذه اللحظات تكشف عن جوهر العلاقات الإنسانية، التي تتجاوز المشاحنات اليومية، وتغنيها بالعطاء المتبادل.
المعنى الاجتماعي لعزائم شعبان ..
على الرغم من التحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني، تبقى عزائم شعبان شاهدا على قدرة الانسان الفلسطيني على العيش بكرامة وعزة، بل وعلى الاستمرار في الحفاظ على موروثه الثقافي، رغم كل الظروف، وعلى الرغم من التحولات التي تشهدها المدينة، من تغييرات اقتصادية واجتماعية، إلا أن عزائم شعبان لا تزال جزءا حيا من هوية المدينة وسكانها. إذ أن التجمعات في تلك الليالي ليست فقط جسرا لمرور الوقت، بل هي جسر ثقافي يبني تلاحما بين الأجيال، ويعزز أواصر التضامن داخل المجتمع.
عزائم شعبان في نابلس هي أكثر من مجرد تقليد شعبي، هي نبض في قلب المدينة يربط بين الماضي والحاضر، ويُثري روحها.
في تلك اللحظات البسيطة التي تعم فيها البهجة، وتعزز روابط الالفة، هي مساحة للمّ الشمل، وتصفية النفوس قبل حلول شهر الخير.
انه شهر يعيد فيه، أبناء نابلس كتابة قصائد جديدة عن الحب والتآخي، عن الوفاء للأرض وللتقاليد، وعن إيمانهم الراسخ بأن الكرم هو حجر الأساس لعلاقاتهم الاجتماعية، في كل مائدة، وكل كلمة، وكل لقمة، هنالك قصة فلسطينية جميلة، تمتلئ بالأمل، وتُضيء الظلام، بألوان شعب حي لا يعرف الانكسار.



