تل ابيب-ترجمة : عصمت منصور عن موقع واللا للكاتب غاي إلستر- بعد ستة أشهر على سقوط الأسد، تواجه الجمهورية الإسلامية أخطر أزمة في تاريخها بسبب المواجهة مع إسرائيل. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفض تقديم دعم مباشر لطهران، رغم اتفاق استراتيجي تم توقيعه مؤخرًا بين البلدين، ويأمل في تجنب تدخل أمريكي مباشر. وقالت مصادر روسية: "إسرائيل وعدتنا بأن الخبراء الروس في إيران لن يُصابوا بأذى".
حين تدخلت روسيا في الحرب الأهلية السورية قبل عقد من الزمن وأنقذت نظام بشار الأسد، كان ذلك ذروة جهودها لإعادة ترسيخ نفوذها في المنطقة، الذي تلاشى إلى حد كبير بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. اليوم، لا يقتصر الأمر على انهيار النظام الذي استثمرت فيه موسكو موارد ضخمة، بل قد ينهار قريبًا نظام حليف آخر في المنطقة.
في يناير مكانون ثاني الماضي فقط، زار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان موسكو ووقّع مع بوتين على اتفاق شراكة استراتيجية صادق عليه البرلمانان لاحقًا. بخلاف الاتفاق الموقّع مع كوريا الشمالية العام الماضي، لا يُعد الاتفاق مع إيران تحالفًا عسكريًا، وقد أوضحت موسكو في الأيام الأخيرة أنه لا يتضمن بندًا للدفاع المتبادل.
وقبل توقيع الاتفاق، كانت هناك احتمالات بأن يشمل بندًا للدعم العسكري المتبادل، لكن ذلك لم يتحقق. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف آنذاك إن الاتفاق يمنح "أولوية خاصة لتعزيز التنسيق لصالح السلام والأمن على المستويين الإقليمي والدولي، ولرغبة موسكو وطهران في تعاون أمني أوثق".
منذ بداية الحرب في أوكرانيا عام 2022، زوّدت طهران موسكو بطائرات مسيّرة انتحارية أرعبت المدن الأوكرانية بشكل يومي. ووفق تقارير مختلفة، كانت إيران على وشك تزويد روسيا بصواريخ باليستية متوسطة وبعيدة المدى، لكن من غير الواضح إن كانت هذه الصفقة ستتحقق.
في الأيام الأولى للحرب بين إيران وإسرائيل، رأى البعض في روسيا انعكاسات إيجابية لها، حيث أشارت وسائل الإعلام الرسمية إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، ما يُتوقع أن يزيد من عائدات روسيا – وهي عائدات تُعد المصدر الرئيسي لتمويل حربها. وقد حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من هذا السيناريو.
ونشرت صحيفة "موسكوفسكي كومسوموليتس" عنوانًا جاء فيه: "كييف نُسيت"، في إشارة إلى تحوّل اهتمام العالم نحو الصراع الإيراني-الإسرائيلي. لكن روسيا لم تنسَ كييف، إذ قصفتها هذا الأسبوع بإحدى أعنف الهجمات منذ بدء الحرب.
عرض الكرملين التوسط بين إيران، حليفته، وإسرائيل، التي تربطه بها علاقات جيدة رغم الحظر الغربي. كان هذا ضمن محاولاته لتلميع صورته الدموية وتقديم نفسه كوسيط سلام.
لكن مع مرور الأيام، تعالت الأصوات المحذّرة في روسيا من تبعات الحرب، ومن بينها الرئيس فلاديمير بوتين نفسه. أجرى بوتين محادثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ اندلاع الحرب يوم الجمعة، لكن دون أن تفضي إلى انفراج حقيقي.
وكتب المحلل السياسي أندريه كورتونوف في صحيفة "كومرسانت":
"التصعيد في النزاع ينطوي على مخاطر جدية وتكاليف محتملة لموسكو. الحقيقة أن روسيا فشلت في منع هجوم إسرائيلي واسع على دولة وقّعت معها مؤخرًا شراكة استراتيجية شاملة. من الواضح أن موسكو ليست مستعدة لتجاوز التصريحات السياسية في إدانة إسرائيل، وليست مستعدة لتقديم دعم عسكري لإيران."
اتهم مدوّنون روس النظام الإيراني بالفساد، مشيرين إلى اعتماد طهران على معدات روسية عجزت عن مواجهة التكنولوجيا الإسرائيلية. تُذكّر هذه الانتقادات بما وُجّه إلى الكرملين والجيش الروسي في بداية الحرب في أوكرانيا بعد الخسائر الفادحة، وكذلك إلى نظام الأسد في أيامه الأخيرة.
وكتبت صحيفة موسكوفسكي كومسوموليتس يوم الثلاثاء:
"السياسة العالمية تشهد الآن تحوّلات هائلة ستؤثر على حياتنا بشكل مباشر أو غير مباشر".
لا تزال روسيا تحاول ترسيخ مكانتها في "سوريا الجديدة". فبعد أن منحت بشار الأسد وعائلته اللجوء السياسي بعد سقوط النظام في ديسمبر، لا تزال موسكو تحتفظ بقواعد عسكرية هناك، وبدأت بتطوير علاقات مع الزعيم السوري الجديد أحمد الشرع، الذي كان حتى وقت قريب قائدًا لفصائل متمردة قاتلتها روسيا.
في مواجهة احتمال خسارة حليف مقرّب آخر في الشرق الأوسط، رفض بوتين التهديدات الإسرائيلية باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وجدّد رفضه تقديم دعم عسكري لطهران، مشيرًا إلى أن إيران لم تطلب ذلك أصلاً.
وكان من المتوقع أن يزور بوتين إيران قريبًا، لكنه صرّح بأن الضربات الإسرائيلية ستؤدي إلى توحيد الشعب الإيراني خلف قيادته.
وقال خلال مؤتمر صحافي في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي:
"لا أريد حتى أن أناقش هذا الاحتمال. يجب على جميع الأطراف إيجاد طريقة لإنهاء الأعمال العدائية بشكل يضمن حق إيران في الطاقة النووية لأغراض سلمية، وحق إسرائيل في الأمن دون شروط."
وأضاف أن موسكو قدّمت اقتراحاتها لحل النزاع، لكن القرار يعود للأطراف المتحاربة. وأكد أن إسرائيل قد وعدت روسيا بعدم استهداف الخبراء الروس الذين ساهموا في بناء مفاعلين نوويين في منشأة بوشهر.
وحين سُئل عن احتمال تغيير النظام في إيران، قال بوتين إنه يجب دائمًا تقييم ما إذا كانت الأهداف الرئيسية قد تحققت قبل الشروع بأي خطوة. وأكد أن منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية تحت الأرض لم تتضرر، خلافًا لتصريحات إسرائيل والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لدغة ترامب:
تركز روسيا الآن جهودها على منع تدخل مباشر للولايات المتحدة في الحرب، وهو سيناريو قد يوسّع النزاع ليشمل مناطق أخرى في الشرق الأوسط. ورغم العلاقة الودية بين ترامب وبوتين، يبدو أن إحباط ترامب من رفض الرئيس الروسي تقديم تنازلات في أوكرانيا يقلّص من تأثيره في هذا الملف.
وقال ترامب بسخرية:
"قلت لفلاديمير: تفاوض على السلام في أوكرانيا أولًا، ثم اهتم بهذه القضية".
تدخل أمريكي مباشر إلى جانب إسرائيل سيُحرج روسيا بشدة، نظرًا لعجزها عن تقديم دعم حقيقي لحليفتها إيران.
وبالنسبة لبوتين، فإن إدراك الأنظمة المختلفة في العالم أنها لا يمكن أن تعتمد عليه وقت الشدة – كما حدث مع الأسد، وقد يحدث مع خامنئي – قد يضر برؤيته لإعادة بناء نفوذ روسيا العالمي كما كان في عهد الاتحاد السوفييتي.
في هذه المرحلة، كل ما يمكن لبوتين فعله هو الجلوس والمراقبة، آملاً ألا تؤدي الحرب إلى سقوط النظام الإيراني أيضًا، واستبداله بنظام موالٍ للغرب.



