تل ابيب- واثق نيوز - كنت في الثامنة عشرة من عمري عندما التقيتُ بغزّة للمرة الأولى. كان ذلك في العام 2002، ذروة الانتفاضة الثانية. حافلات كانت تنفجر في إسرائيل وأنا، فتاة ترتدي الزي العسكري الجديد والسم يقطر من عينيّ، جلستُ أمام الشاشات في نقطة المراقبة والرصد في "ناحَل عوز". من هناك، في كل صباح، كنت أراقب عائلة واحدة: أمّ وجدّ وطفل صغير ذو عينين زرقاوين، كانوا يسكنون في كوخ من الصفيح بجوار السياج.
كنت اعرف كل حركة لديهم. لكنني لم أتعرف عليهم. لم أرَ بشرًا آدميين. رأيتُ تشويشًا؛ عائقًا يحجب مجال الرؤية؛ هدفًا مُحتمَلًا. لم تعلّمني العينان العسكريتان اللتان استخدمتُهما أن أراقب فقط، بل أن أمحو أيضًا. أن أمحو السياق، أن أمحو الحياة. أن أختزل الواقع ضحلًا في تقرير. لم يكن هذا إخفاقًا أخلاقيًا شخصيًا، بل كانت هذه هي الطريقة. طريقة تُعلّمك أن تفترض أن كلّ طفل يمكن أن يكون مبعوثًا، أنّ كل مزارع هو مجرد تمويه وأنّ كل بيت هو مستودع ذخيرة في الانتظار.
ما خطر في بالي آنذاك لم يكن التساؤل "ماذا يحدث لهم هناك؟"، وإنما التساؤل "لماذا هم هناك، أصلًا؟". ولم أكن أنا وحدي فقط. كانت تلك ثقافتنا الأمنية، جميعًا. وحين تكون هذه هي الثقافة في ذروة الحرب ـ وهكا هو الحال الآن، أيضًا ـ فعندئذ يكون بإمكاننا إقناع أنفسنا بأنّ قتل طواقم الإغاثة، الصحفيين وعائلات بأكملها، هو "نتيجة مؤسفة"، أو "حدث معقّد" على الأكثر. لكن ثمة لحظات تنكسر فيها الآلية ـ كما في هذه اللحظة، الحالية.
كان فريق الإغاثة التابع لمنظمة الهلال الأحمر يعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية، مُستخدِمًا أضواء الطوارئ، في مركبات مميزة عليها علامات. ورغم ذلك كله ـ تم قتلهم. الواحد تلو الآخر. تم إعدامهم، وفقًا لبعض التقارير. وقد تراجع الجيش الإسرائيلي عن روايته الأولية، وشريط الفيديو الذي نُشر في صحيفة "نيويورك تايمز" يكسر خطّ الإنكار، وقد أفيد مؤخرًا بأنّ الجيش الإسرائيلي يتحمل المسؤولية. في يوم الأحد، مرة أخرى: مقتل صحفيين، والمسؤولية تقع على الجيش الإسرائيلي مرة أخرى.
هل نعتاد على هذا أيضًا؟ هل نسحق هذا الحادث أيضًا بين عجلات الدعاية، ندفنه تحت أكوام التحقيقات الداخلية ونمضي قُدُمًا؟ كمجتمع، نحن الآن على شفا هاوية أخلاقية. وأي تنازل عن تحقيق حقيقي وجدّي هو خطوة إضافية أخرى نحو هذه الهاوية. كما في قضايا أخرى، كذلك هنا أيضًا ـ وحده التحقيق الخارجي، الشفاف والمستقل بإمكانه توضيح ما حدث وما لا يمكن أن يحدث مرة أخرى، إلى الأبد. ليس من أجل "إرضاء العالَم"، وإنما لأنه طالما لا يوجد حدّ، فكل شيء مُباح؛ وطالما أن كل شيء مُباح، نصبح نحن، أيضًا، أكثر خطورة على أنفسنا.
أكتب هذا الكلام اليوم من موقع آخر. ليس عَبر العينين العسكريتين، وإنما بعينيّ مواطِنة، مَدنيّة. امرأة خدمت وعرفت الإنكار من الداخل، ثم كسرته. لم يكن كسرُ الصمت مجرد عملية تعقّل شخصية فحسب، بل كان عملية وعي سياسي أيضًا. الوعي بحقيقة أنّ عينيّ أنا لم تُخفِقا، بل فعلتا ما خططت له المنظومة، بالضبط. حقيقة أنّ المحو، اللا- أنسنة، الفصل بين ما نرى وما نشعر به ـ ليست نتيجة للصدمة، وإنما نتيجة لسياسة. ما كان يبدو لي ذات مرة أنه أعشاب ضارّة، تفّاح فاسد، اتضح لي الآن أنه هو الطريقة. وهذا هو، بالضبط، ما يتيح لنا، كمجتمع، أن نستمر: عندما لا نرى بشرًا آدميين، لا حاجة إلى الأخلاق. لقد شكّل هذا الإدراك تلك اللحظة التي أيقنتُ فيها أن الصمت هو مشارَكة. وأن الطريق الوحيد للتنصّل من الطريقة هو ـ تسميتها بالاسْم.
ولهذا، أنا أقول الآن ـ ليس بعد اليوم. لا يمكن مواصلة إطلاق النار والكذب. ليس عندما يُذبَح موظفو الإغاثة، ليس عندما يولد الأطفال في قلب الدمار المتواصل، وليس عندما نتوقع "الهدوء" القائم على الطمس التام للخطوط الحمراء. لن يكون بإمكاننا التحدث عن الأخلاق أو الأمن طالما نحن نرفض النظر في أعين أولئك الذين تضرروا، باسْمِنا. المُطالَبة بإجراء تحقيق خارجي هي مسألة موقف سياسي، وهي الحد الأدنى الإنساني وواجبنا الأخلاقي. واجبنا جميعًا.
هآرتس بالعربي -ياعيل لوطان



