الكاتب : أحمد دخيل
في الذكرى الرابعة والأربعين لرحيل ماجد أبو شرار، لا يكفي أن نقول: "كان قائدًا". الكلمات الباردة لا تُنصف رجلًا عاش كجرحٍ ندي في جسد فلسطين. كان يشبه عود العنب الذي يشقّ طريقه بين الصخور: يبدو هشًّا، لكنه يعرف كيف يقاوم العطش، كما يعرف الفلاح سرّ الأرض وصبرها.
ماجد لم يهبط من سماء أسطورة؛ خرج من "دورا" جنوب الخليل، من بيتٍ يعرف معنى الشقاء. بين أبٍ قاتل في صفوف جيش الجهاد ثم حمل القانون بدل البندقية، وبين أمٍّ صلبةٍ تشبه انتظار فلسطين الذي لا ينتهي. هناك، في طفولته الأولى، اكتشف أن القوانين تفقد صوتها حين تقف أمام دبابة، وأن المحاكم لا تعيد رغيفًا مسروقًا من يد طفل. عندها فهم أن القلم أصدق من أي حكم قضائي، فكتب كما يقاتل الآخرون.
كتب في الدمام، كتب في "فتح"، كتب عن المخيمات للجرائد والبيانات. لم يكن يكتب ليملأ صفحات، إنما كتب كمن يصرخ من عمق الجرح: لا حياة حيادية في زمن الاحتلال. وحين قرأ الناس "الخبز المر"، لم يقرأوا قصصًا عابرة، لقد قرأوا فلسطين نفسها: رجلٌ يتهاوى بالسعال، أطفال جياع، وامرأة تمسح دمعة لا تجف. كان الخبز مُرًّا لأن الحياة كلّها كانت أكثر مرارة.
وفي روما، حين دسّوا قنبلة صغيرة تحت سريره في الفندق، ظنّوا أن الحكاية انتهت. لكن القنابل، مهما كانت محكمة، لا تفجّر فكرة. رحل الجسد، وبقي الصوت: بقي في المؤتمرات، في المخيمات، في ذاكرة الناس الذين ردّدوا جملته البسيطة: "الفلسطيني لا يستسلم".
وليس من الوفاء أن نُحوّل الشهداء إلى تماثيل صامتة. ماجد لم يكن تمثالًا، كان إنسانًا بكل تناقضاته: يضحك، يغضب، يسخر، يكتب مقالات لاذعة عن "واحد غزاوي جدًا" و"شخصية وقحة جدًا". كان يعرف أن الثورة تحتاج إلى شيء من السخرية كي تظل حيّة، وأن الغضب وحده يشيخ بسرعة.
بعد أربعة وأربعين عامًا، يبقى الدرس حاضرًا: أن الثورة بلا إنسان تتحوّل إلى آلة عمياء، وأن الحراك بلا قلب يستحال، وأن فلسطين لا تحتاج إلى أوصياء، بقدر ما تحتاج إلى عشّاق. وماجد، في النهاية، لم يكن سوى عاشقٍ كبير، كتب دمه على جسد وطنه، ومضى.
لروحك المجد يا ماجد.



