الكاتب : سامي البريم
حينما نقول إن هناك إبادة جماعية واقعة بالفعل، مدعومة بالأرقام والدلائل، فإن المسؤولية لا تقع على حكومة نتنياهو وحدها، بل أيضًا على الولايات المتحدة الأمريكية التي شكّلت الشريك الأبرز في هذه الجريمة. وقد اعتمد الطرفان على أداة دعائية تسمى الهاسبارا، وهي إحدى أكبر آلات التضليل في التاريخ المعاصر.
ما هي الهاسبارا؟
في القاموس العبري تعني “الشرح والتوضيح”، لكنها في الواقع منظومة دعائية تقوم على تزييف الحقائق وتبرير الجرائم. إنها نظام متكامل يضطهد حرية الفكر والمعرفة، كما إنها مجرد فراغ كامل من كل معنى لأنها لا تبنى على الحقيقة بل على الأكاذيب وتبرير الأفعال، فهي التي يضطهد فيها حاجة الإنسان إلى العلم بالشيء والمعنى، وتضطهد فيها أيضا كل أنواع المعرفة.
هذا النظام الذي جرى تطويره بواسطة إسرائيل، وبواسطة الداعمين، مثل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية. ولعل أبرز مثال تاريخي على ذلك هو المقولة الشهيرة: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، التي كانت تبريرًا لسرقة فلسطين وتشريد شعبها.
ما هي أدوات الهاسبارا؟
منذ السابع من أكتوبر، جنّدت إسرائيل حكومتها، ودبلوماسييها، وإعلامها، ولوبياتها، ومؤثريها على منصات التواصل الاجتماعي لتسويق خطاب “الدفاع عن النفس” وتبرير قتل الفلسطينيين وتدمير مدنهم. كما انها استُخدمت المحطات الدولية والصحف العالمية لنشر رواية مزيفة عن الأحداث وكذلك فُرضت قيود على المحتوى الفلسطيني في فيسبوك وتويتر لمنع وصول الحقيقة.كما أن اللوبي الصهيوني استغل نفوذه في إنتاج أفلام ووثائقيات ومقالات تحرّف الواقع وتبرّر الجرائم.
كشف تقرير صحفي أميركي أن الحكومة الإسرائيلية تموّل حملة دعائية عبر مؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، يتقاضى الواحد منهم نحو 7 آلاف دولار عن كل منشور يروج للرواية الإسرائيلية.
وبحسب التقرير الوارد بمجلة "ريسبونسيبل ستيتكرافت الأميركية" (Responsible Statecraft) فإن وزارة الخارجية الإسرائيلية مولت عبر شركة "Bridges Partners" عقدا بقيمة 900 ألف دولار مع مجموعة "Havas Media Group" الألمانية، لتشغيل ما بين 14 و18 مؤثرا بين يونيو/حزيران الماضي ونوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
الدعاية الإسرائيلية ومقارنة بفيتنام!
ليست هذه المرة الأولى التي تُستخدم فيها الدعاية كغطاء للجرائم. ففي حرب فيتنام، روجت الولايات المتحدة لرواية “مكافحة الشيوعية” لتبرير قتل أكثر من مليوني إنسان، وقصف القرى بالأسلحة الكيماوية مثل النابالم. الإعلام الأمريكي آنذاك أخفى الحقائق وقام بتشوهيها، إلى أن كشفت صور المذابح ومقاطع الصحفيين المستقلين زيف تلك الرواية.
اليوم، تفعل إسرائيل الشيء نفسه عبر الهاسبارا، محاولة إقناع العالم بأن إبادة الفلسطينيين مجرد “دفاع عن النفس”. لكن كما انهارت أكاذيب أمريكا في فيتنام أمام قوة الصحافة، سوف تنهار أيضًا أكاذيب إسرائيل أمام شجاعة الصحافة ووعي الشعوب.
الهاسبارا والصحافة!
بالنسبة لإسرائيل، كانت الصحافة الحرة بمثابة الكابوس؛ لأنها تكشف الحقيقة للرأي العام والقانون الدولي. لذلك جاءت الهاسبارا كوسيلة لتجميل صورة إسرائيل في الخارج، ولإقناع العالم بأن حربها ليست إلا ردًا على السابع من أكتوبر، متجاهلة السياق التاريخي الطويل للاحتلال والجرائم المستمرة.
وفقًا لما ذكرته لجنة حماية الصحفيين منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر وحتى يومنا هذا ارتفع عدد القتلى الصحفيين في غزة إلى 254 صحفيا.
سقوط الهاسبارا!
لقد مثّلت الهاسبارا سلاحًا دعائيًا موازياً للقوة العسكرية الإسرائيلية المفرطة. غير أن هذا السلاح بات اليوم أضعف من أي وقت مضى، بعد أن ظهر جيل عالمي جديد يرفع لافتة: “الحرية لفلسطين”، ويفضح الأكاذيب بالدليل الذي جاء بالصوت وصورة الكاميرا، لتكون إسرائيل أمام عزلة دولية لم تتعرض لها من قبل.



