الكاتب : إياد ابو روك
نحن وحدنا الذي نتحمل تبعبات غباءنا عندما نعلق فشلنا على الآخرين ونرمي عجزنا على الغرب وكأننا ضحايا أبديون لمؤامراته . إن أخطر ما يعيشه الشرق الأوسط اليوم أنه لا يريد أن يرى نفسه في المرآة لقد نضجنا على الفوضى وتغذينا على التاريخ الموهوم وكبرنا على العنجهية والصراخ والضجيج ... ضجيج لا ينتج عنه إلا الرماد ولا ينتهي إلا إلى هزائم جديدة تضاف إلى سجل الهزائم السابقة .
الغرب الذي نتهمه صباحا ومساء لم يمنح تقدمه مجانا لقد عاش قرونا من الحروب الطاحنة والأوبئة المميتة والمجاعات الكاسحة لكنه لم يستسلم أعاد صياغة ذاته بالعلم وضع أسس التعليم الصارم بنى أنظمة صحية متينة وكرس البحث العلمي ليكون الطريق الوحيد نحو النهوض .. الغرب لم ينتصر لأنه أذكى بالفطرة بل لأنه فهم أن الحضارة تقوم على العمل المؤسساتي والانضباط الجماعي لا على الخطب والشعارات .
أما نحن في الشرق الأوسط فنعيش اليوم في زمن مخز بكل المقاييس .. حروب عبثية تلتهم البشر والحجر ، صراعات طائفية تسلخ الجسد الواحد إلى أشلاء أنظمة غارقة في الفساد حتى النخاع . شعوب مسكونة بالشعارات الرنانة التي تسكن الألم لكنها لا تعالج المرض . نمتلك عقولا جبارة وطاقات هائلة لكنها مدفونة تحت ركام البيروقراطية والأنظمة المريضة التي لا ترى في الإنسان سوى رقم على ورق .
والمأساة الأعظم أننا ما زلنا حتى اللحظة نمارس نرجسية مريضة نمجد أنفسنا كما لو كنا حضارة لا يشبهها أحد . نمجد موتانا حتى باتوا يأكلون أحياءنا .. نمجد الماضي حتى صار صنما يعبد نضخم أوهامنا نهرب إلى أساطير قديمة ونقنع أنفسنا أنها عزتنا ، بينما هي في الحقيقة أغطية لعجزنا وضعفنا . لقد زرع فينا عدونا هذه النرجسية بحرفية عالية جعلنا نؤمن بفخامة الماضي أكثر من بناء المستقبل . جعلنا نبكي على أطلال حضارات قديمة بدل أن نصنع حضارة جديدة وهكذا تحولت خرافاتنا إلى سجون نحتمي فيها بينما يركض العالم إلى الأمام .
وإذا تأملنا المشهد أكثر نرى أن إسرائيل التي لا يتجاوز عمرها التاريخي المعاصر ثمانية عقود استطاعت أن تفهم العقلية العربية بشكل أعمق مما نفهم نحن أنفسنا . عرفت كيف تخضع كثيرا من الأنظمة العربية إلى حالة من الرضوخ والخنوع .. لم تعد تسمع من هذه الدول سوى ضجيج إعلامي أو شعارات رنانة فارغة إسرائيل أدركت أن هذه العقلية لا تجيد سوى الصراخ ولا تعرف سوى إنتاج الكلمات لكنها عاجزة عن تحقيق الأفعال وهنا يكمن الانتصار الحقيقي للعدو أن يزرع فيك الوهم ويتركك تدور في حلقاته بينما هو يبني ويطور ويستثمر في العلم والتكنولوجيا والاقتصاد .
نحن وإسرائيل نعيش على البقعة نفسها من الأرض نمتلك الموارد نفسها تقريبا ونواجه الظروف الجغرافية نفسها فلماذا تطورت إسرائيل لتصبح قوة إقليمية كبرى في التكنولوجيا والاقتصاد والعسكر، بينما نحن بعد كل قرن نعود إلى الوراء مئات آلاف السنين !! . لماذا نعيد إنتاج الفشل جيلا بعد جيل بينما الآخرون يعيدون إنتاج التفوق؟
الجواب قاس لأننا لم نملك الشجاعة لنواجه أنفسنا .. لأننا لا نجرؤ على الاعتراف بخللنا البنيوي العميق ولأننا نعيش في حالة إنكار دائم ونرجع كل هزيمة إلى مؤامرة وكل تخلف إلى عدو خارجي ، بينما الحقيقة أن العدو الأكبر يسكن في داخلنا في عقلية الفرد في فساد المؤسسات في ثقافة الاستبداد في عبادة الماضي وفي كراهية العمل الجماعي .
لقد آن الأوان أن نعترف أننا أغبياء في تطويرنا وأغبياء في تعليمنا وأغبياء في بناء مؤسساتنا . هذا ليس سبابا بل توصيفا صادقا فالتلميذ الذي يرسب عشرات المرات ولا يتعلم من فشله ألا يعتبر غبيا ؟ والشعوب التي تتكرر هزائمها دون أن تعي الدرس ألا تعتبر غارقة في الغباء الجمعي؟
الخروج من هذه الدائرة الجهنمية لا يكون بالشعارات ولا بالانفعال . لا بد من ثورة فكرية حقيقية تعيد صياغة الإنسان قبل الدولة نحتاج إلى تعليم جديد لا يخرج جيوشا من الحفظة والتابعين بل عقولا ناقدة خلاقة . نحتاج إلى نظام صحي يقدس حياة الإنسان قبل أي اعتبارات سياسية ونحتاج إلى مؤسسات شفافة لا تدار بالولاء الأعمى بل بالكفاءة والمحاسبة .. نحتاج إلى أن نتحرر من وهم الماضي ونصنع مستقبلا مختلفا وإلا سنظل نموت ونحن نردد قصائد النصر الوهمية .
العالم اليوم يناقش الذكاء الاصطناعي ونحن نناقش الخطب الرنانه .. العالم يبني مدنا ذكية ونحن نحرق مدننا بأيدينا .. العالم يزرع الأمل في الفضاء ونحن نزرع الكراهية في مدارسنا .
إن لم نمتلك الجرأة لقتل هذه العقلية المريضة فلن ننتصر حتى على مجموعة من البهائم .. المستقبل لا يرحم والقطار لا ينتظر إما أن نصعد ونلحق بالعالم أو نظل نتسكع في طرقات التاريخ المظلمة نغني أغاني الهزيمة ونبكي على مرايانا المكسورة إلى الأبد .



