الكاتب : د.محمد جبريني
إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن خطته لإنهاء الحرب في غزة أثار انقساماً بين من اعتبرها فرصة لوقف نزيف الدم، ومن رأى فيها محاولة جديدة لتجزئة القضية الفلسطينية. فالخطة المؤلفة من عشرين بنداً تحمل مزيجاً من الإيجابيات والمخاطر، وتطرح على الفلسطينيين والعرب والإقليم والعالم سؤالاً مصيرياً: هل تكون غزة جسراً نحو الدولة أم فخاً لفصلها عن باقي الأرض الفلسطينية؟
ما تحمله الخطة من إيجابيات :
لا شك أن الخطة تستجيب لبعض الأولويات الإنسانية العاجلة:
• وقف الحرب وإطلاق الرهائن والأسرى، وهو مطلب ملحّ لكل الفلسطينيين.
• تدفق المساعدات الدولية والإعمار بإشراف الأمم المتحدة، ما يعيد الحياة إلى قطاع أنهكه الحصار والدمار.
• تعهد بعدم ضم غزة أو احتلالها من قبل إسرائيل، وهو نفي صريح لسيناريو التهجير أو السيطرة المباشرة.
ما تحمله من سلبيات :
لكن في المقابل، تكشف الخطة عن إشكاليات بنيوية خطيرة:
• تغييب الضفة والقدس من الحل، وتأجيل دور السلطة الوطنية الفلسطينية إلى ما بعد إصلاحها!! ما يجعلها مشروع “غزة أولاً” يعمّق التجزئة.
• غياب إطار واضح لحل الدولتين أو جدول زمني لإنهاء الاحتلال، ما يترك الباب مفتوحاً أمام استمرار الاستيطان والضم الزاحف للضفة.
• تسييس الاقتصاد عبر تحويل الإعمار والمساعدات إلى أداة ضغط، بدل أن تكون حقاً أساسياً للشعب الفلسطيني.
المواقف الفلسطينية والعربية والإسلامية :
الموقف الفلسطيني الرسمي أبدى ترحيباً مشروطاً، مؤكداً ضرورة الربط بين غزة والضفة والقدس، والتمسك بسلطة واحدة وسلاح شرعي واحد، مع استعداد للانتخابات والإصلاحات. هذا الموقف يعكس إدراكاً بأن أي تسوية لا تنهي الاحتلال وتوحد الأرض ستبقى ناقصة.
أما البيان العربي–الإسلامي المشترك الصادر من عمّان، فقد عبّر عن ترحيب حذر، إذ أشاد بوقف الحرب والإعمار، لكنه شدد على رفض التهجير وضم الضفة الغربية، وأكد مرجعية الشرعية الدولية وحل الدولتين. وهذا الترحيب المشروط يفتح الباب لتوظيف الخطة كخطوة نحو السلام العادل، لا كبديل عنه.
نحو مقاربة متفائلة :
رغم ما تحمله الخطة من مخاطر، يمكن تحويلها إلى فرصة إذا تعامل الفلسطينيون والعرب معها بذكاء سياسي يقوم على:
• اشتراط ربط غزة بالضفة والقدس في أي اتفاق، حتى لا تنفصل القضية.
• توحيد الموقف الفلسطيني عبر انتخابات شاملة وإصلاحات سياسية، بما يعزز شرعية القيادة أمام المجتمع الدولي.
• استثمار التوافق العربي والإسلامي والدولي للضغط باتجاه تثبيت حل الدولتين وإنهاء الاحتلال.
• فصل البعد الإنساني عن التنازلات السياسية، بحيث يكون الإعمار حقاً غير مشروط، لا ثمناً للقبول بتجزئة القضية.
خاتمة: فرصة مشروطة
خطة ترامب قد توقف الحرب وتفتح باب الإعمار، لكنها لن تحلّ القضية إذا بقيت محصورة في غزة. وحده تحويل هذه المبادرة إلى مدخل لتسوية شاملة، تربط بين القطاع والضفة والقدس على أساس دولة فلسطينية مستقلة، كفيل بجعلها خطوة إلى الأمام.
الفلسطينيون والعرب أمام مفترق طرق: إما أن يقبلوا بالخطة كمسكن مؤقت ينهي الحرب ويجمّد مسار التسوية، أو أن يحولوها بوعي سياسي إلى محطة انتقالية نحو سلام عادل. والرهان هنا على الإرادة الفلسطينية والعربية في أن تبقى غزة بوابة الحرية، لا قيداً جديداً على الحلم الفلسطيني.



