الكاتب: د.محمد جبريني
تشهد المنطقة تطورًا لافتًا مع طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرؤية سماها “اليوم التالي في غزة”، بالتزامن مع انعقاد مؤتمر دولي لإحياء حل الدولتين وخطاب الرئيس محمود عباس الذي استند إلى الشرعية الدولية وموجة الاعترافات المتزايدة بدولة فلسطين.
الرؤية الأميركية تقوم على ستة بنود: إطلاق الأسرى، وقف دائم لإطلاق النار، انسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع، منظومة حكم جديدة لا تشمل حركة حماس، قوة أمنية عربية، وتمويل عربي لإدارة وإعمار غزة، مع دور محدد للسلطة الفلسطينية. في المقابل، قدّم القادة العرب شروطهم: وقف الضم في الضفة، عدم إقامة مستوطنات في غزة، عدم المساس بالمسجد الأقصى، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية.
هذه العناصر تعكس محاولة لإنهاء الحرب وفتح أفق سياسي، خاصة مع تعهّد ترامب بعدم السماح لإسرائيل بضم أجزاء من الضفة الغربية. وهو تعهّد إن التزم به، يعيد الاعتبار لفكرة الدولتين التي تراجعت في السنوات الأخيرة.
لكن التحديات كبيرة. فأي إدارة جديدة تُفرض على غزة من الخارج ستواجه إشكالية الشرعية الداخلية. كما أن إسرائيل قد تربط انسحابها بشروط أمنية تقيد السيادة الفلسطينية. يضاف إلى ذلك صعوبة تشكيل قوة عربية موحّدة وإيجاد آلية عملية لتمويل إعادة الإعمار.
في هذا السياق، يبرز خطاب الرئيس عباس والاعترافات الدولية المتزايدة بالدولة الفلسطينية كعناصر دعم مهمة للسلطة. هذه الاعترافات تمنح الفلسطينيين أوراق قوة إضافية، لكنها بحاجة إلى استثمار سياسي واضح وربطها بخطوات عملية على الأرض.
المعضلة الأساسية أن تبقى الرؤية الأميركية مجرد هدنة مؤقتة توقف القتال لكنها لا تلامس جوهر القضية: القدس، الحدود، اللاجئين. والتجربة الطويلة في المنطقة تثبت أن “الترتيبات الانتقالية” كثيرًا ما تتحول إلى أوضاع دائمة تعطل الحلول النهائية.
الرهان إذن على تحويل الرؤية الأميركية إلى جسر نحو تسوية سياسية شاملة، لا إلى محطة عابرة. ومع الزخم الدولي الجديد الداعم لفلسطين، تتاح فرصة نادرة يجب البناء عليها، شرط أن تتوافر الضمانات الدولية الصلبة والإرادة الفلسطينية الواضحة لترجمة الاعترافات السياسية إلى واقع ملموس.



