الكاتب : د. محمد جبريني
خطاب الرئيس محمود عباس في مؤتمر نيويورك (22 أيلول/سبتمبر 2025) لم يكن كسابقيه. هذه المرة جاء الخطاب صريحًا، مباشرًا، جريئاً، وأقرب إلى إعلان موقف حاسم منه إلى تكرار شعارات دبلوماسية. فقد أعلن بوضوح أن لا مكان لحماس في حكم قطاع غزة، وأن المشاركة في الانتخابات المقبلة ستكون فقط لمن يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ويلتزم بمرجعياتها السياسية والدولية. بكلمات أخرى، رسم الرئيس خريطة طريق جديدة وحاسمة هذه المرة لا تسمح بمساحات رمادية: سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد، وشرعية واحدة.
من “إدارة الأزمة” إلى “لغة التحدي” ..
على مدى عقدين، ظلّ الرئيس محمود عباس وفيًا لاستراتيجية ما يسمى “بالصبر الاستراتيجي”: تمسّك بالدبلوماسية الدولية، ابتعاد عن المغامرات العسكرية، ورهان على الوقت ليصطف العالم في نهاية المطاف خلف حل الدولتين. لكن في نيويورك، بدا أنه أراد كسر الصورة التقليدية عن هدوئه البارد؛ فقد وجّه رسائل حاسمة للداخل والخارج معًا: إما الانخراط في مشروع منظمة التحرير أو البقاء خارج المشهد.
غزة بعد الحرب: معالم رؤية الرئيس عباس ..
الرئيس عباس لم يكتفِ بالمطالبة بإنهاء الحرب والحصار، بل طرح تصورًا لإدارة غزة بعد الحرب: لجنة إدارية مؤقتة تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، بدعم عربي ودولي، وصولًا إلى دستور مؤقت وانتخابات عامة. لكنه قيدها بشرط واضح: لا مشاركة لأي طرف يرفض الاعتراف بالمنظمة أو يصرّ على الاحتفاظ بسلاحه. هنا تتجلى الصرامة غير المسبوقة في خطابه، إذ أنهى عمليًا النقاش حول “الشراكة في الحكم مع حماس”.
القوة والحكمة بين الداخل والخارج ..
الخطاب لم يكن موجّهًا فقط للفلسطينيين. فهو من جهة قدّم وعودًا إصلاحية تتعلق بالأمن والمالية والتعليم والرعاية الاجتماعية (بما يشمل معالجة ملف المخصصات المالية للأسرى)، ومن جهة أخرى وجّه حديثًا تصالحيًا إلى الإسرائيليين واليهود عموماً، مقرونًا بإدانة صريحة لأحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، في توازن محسوب بين استرضاء المجتمع الدولي وتعزيز شرعيته الداخلية.
لحظة اختبار ..
السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمثل خطاب نيويورك نقلة من سياسة الانتظار إلى لحظة الحسم؟ الرئيس عباس بدا وكأنه يريد أن يقول للعالم إن السلطة الوطنية الفلسطينية قادرة على الإمساك بزمام المبادرة، وإنها لن تقبل بعد اليوم بازدواجية السلاح أو بشرعية موازية تنافسها.
لكن التحديات باقية: الانقسام الداخلي، غياب انتخابات فعلية منذ سنوات، وتردد المجتمع الدولي في فرض حل الدولتين. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الخطاب شكّل لحظة فارقة، لأنه لأول مرة منذ سنوات طويلة بدا الرئيس عباس وكأنه يضع خطوطًا حمراء لا تقبل التأويل للعبور نحو الدولة، لا سيما وأن اعتراف دول كثيرة وكبيرة ووازنة بدولة فلسطين قد غيّر المعادلة على الأرض، ومنح الرئيس عباس مزيدًا من الثقة والإصرار على المضي قدمًا في عمل كل ما يلزم لتجسيد الدولة الفلسطينية على أرض الواقع.



