الكاتب : إياد أبو روك
في العادة لا تشكر الضحية جلادها ولا يرفع المقهور صوته بعبارات الامتنان نحو من يمارس بحقه أبشع صور العنف والظلم لكن مع نتنياهو المشهد مختلف . الرجل الذي اراد ان يبني مجدا شخصيا على أنقاض الآخرين. لقد قدم من دون قصد أكبر خدمة للقضية الفلسطينية منذ عقود طويلة فضح الاحتلال وعرى المشروع الصهيوني امام العالم وأسقط الاقنعة التي حاولت اسرائيل ارتداءها منذ تأسيسها علي أنقاض الدماء والسلب والنهب.
لقد كان يظن نتنياهو انه القائد الذي سيحفر اسمه في تاريخ اسرائيل كأعظم من قادها لكنه لم يدرك ان التاريخ لا يكتبه الطغاة وحدهم بل تكتبه ايضا دماء الابرياء وصمود المقهورين وصوت الضمير الانساني وما قدمه للعالم ليس سوى نسخة مشوهة من الاستبداد صورة نازية جديدة بوجه مفضوح سرعان ما تكشف بين الأمم .
لسنوات طويلة استطاعت اسرائيل ان تبيع للعالم اسطورة الواحة الديمقراطية وسط صحراء الاستبداد العربي. صدق البعض ان إسرائيل الدولة الوحيدة في المنطقة التي تحترم القانون وتحتكم الى المؤسسات. لكن نتنياهو النازي ومن دون عناء حطم هذه الصورة وجعل العالم يراها دولة فاشية عنصرية يحكمها تحالف بين اليمين المتطرف والحاخامات المتشددين والمستوطنين المتعطشين للدماء كشفت ان اسرائيل لم تكن يوما دولة ديمقراطية بل مشروع استعماري مغلف بخطاب مزيف .
لقد منحنا نحن الفلسطينيين لقب الضحية الذي حاول لعقود ان تنزعه عنا. دماء غزة وحدها كانت كافية لكشف زيف روايتكم وسرديتكم. جثث الاطفال تحت الركام العائلات التي ابيدت بالكامل ، المستشفيات والمدارس التي تحولت الى مقابر كلها تحولت الى وثائق ادانة لا تمحوها ألف خطبة سياسية .. لم نعد بحاجة لشرح مظلوميتنا فمشاهد القصف اليومي على شاشات التلفاز قامت بالمهمة .
لطالما حاولت ان توظف المحرقة كذريعة دائمة لكنك فشلت في الحفاظ على صورة الضحية الابدية . نتنياهو وحكومته الاحتلالية هما من اسقط هذا القناع ولم يعد احد في هذا العالم يراها سوى الجلاد الجديد . نتنياهو رجل مأزوم نفسيا يسعى للانتقام من البشرية كلها عبر قتل الابرياء . لقد ارتدى ثوب النازي الجديد من دون ان يشعر .
ومن سخرية القدر انه حاول طمس فلسطين فإذا بها تعود اقوى من اي وقت مضى . حاول اسكات الصوت الفلسطيني فإذا به يعلو في الجامعات والبرلمانات والشوارع من واشنطن الى باريس ومن لندن الى كيب تاون ومن طوكيو الى اميركا اللاتينية . لم يعد العلم الفلسطيني رمزا محليا بل صار رمزا انسانيا للحرية والعدالة .
لقد احرج حتى حلفاءه واربك واشنطن التي لم تعد قادرة على تبرير الجرائم حتى وضعت اوروبا في مواجهة ضمائر شعوبها التي خرجت بمئات الآلاف تندد بسياسات جعلت الاعلام الغربي الذي طالما دافع عن اسرائيل ينقلب شيئا فشيئا ويعترف بما كان ينكره ان الفلسطينيين هم الضحية الحقيقية وان مشروعك ليس الا استعمارا دمويا .
كشفت للعالم ان جيشك الذي لطالما روجت له كالجيش الاكثر اخلاقية في العالم ليس سوى آلة قتل جماعية لم يعد ينظر اليه كقوة ردع بل كرمز للوحشية. صور الجنود وهم يقصفون المدارس يعتقلون الاطفال يقتحمون المستشفيات فضحت اسطورة الاخلاقيات العسكرية .. لقد حولت الجيش الاسرائيلي الى وصمة عار تاريخية .
اسأت الى قومتيك أكثر مما اسأت الينا كفلسطينيين لقد جعلت الاسرائيلي العادي يحمل عبء صورة القاتل وصنعت هوة بين اسرائيل والعالم ... لم يعد هذا العالم ينظر اليكم كدولة تسعى للبقاء بل ككيان استعماري فقد شرعيته الاخلاقية .
والاهم من كل ذلك أنك لم تحقق اهدافك لم تستطع كسر ارادة الفلسطينيين ولم تستطع اخضاع غزة ولم تستطع اطفاء شعلة الحق وكل بيت هدمته كل روح ازهقتها تحولت الى وقود اضافي لرفض الاحتلال . كلما ظننت انك اوشكت على انهاء القضية الفلسطينية اذا بها تولد من جديد اكثر حضورا .
ان مشروعك "مشروع اسرائيل الكبرى" ليس سوى وهم . لقد ظننت ان القتل والتدمير والتهجير سيمنحك ارضا بلا شعب لكنك لم تدرك ان الشعب الفلسطيني أكبر من كل مؤامراتك . فلسطين اليوم ليست مجرد بلد بمفردة فيها اشخاص تستطيع سحقها بطائراتك ... انها روح تسكن قلوب الملايين حول العالم .
نعم شكرا نتنياهو شكرا لأنك وحدت العالم ضدك شكرا لأنك اعطيتنا بجرائمك شهادة جديدة على عدالة قضيتنا .. شكرا لأنك منحتنا التعاطف الانساني الذي لم تحلم ان نخسره لكن اعلم ان شكري هذا ليس استسلاما بل ادراكا عميقا لحقيقة واضحة قد تملك القوة لتقتل الابرياء لكنك لا تملك القدرة على قتل فكرة الحرية .
القضية الفلسطينية ستظل مستمرة والحرب التي اشعلتها ستتوقف في النهاية اما انت ومشروعك الاستبدادي الاحتلالي فلن تكتمل فصوله ابدا . اسرائيل الكبرى ستبقى مجرد حلم مريض في ذهنك بينما فلسطين رغم كل الجراح ستبقى حاضرة وستظل اقوى من كل محاولات الطمس والتغييب .
اياد أبو روك



