الكاتب : إياد أبو روك
في كل أمة يكون القرار السياسي مرآة لشعور مواطنيها بالأمان والانتماء . في عالمنا العربي تحول غياب القرار او التردد في اتخاذه الى جرح مفتوح في الوعي الجمعي العربي. سنوات طويلة من هزائم متكررة وبيانات شجب وانتظار افرزت احساسا عاما بان المصير معلق في الهواء . هذه الحالة لم تبق في قاعات السياسة بل تسللت الى الداخل الى النفس التي استيقظت على شعور ثقيل بالعجز والخجل والانكسار والروح الانهزامية التي تسللت الى اعماق الشباب العربي واصبحت جزءا كبيرا من الحالة التي يعيشها وان اخفاها في بعض الحالات.
حين يرى المواطن ان القضايا المصيرية لا تحسم وان الانظمة تتلكأ عند اللحظة التي تتطلب شجاعة يبدأ بفقدان الثقة ليس فقط بحكوماته بل بنفسه ايضا يتشرب من دون ان ينتبه فكرة ان صوته غير مؤثر وان اي فعل محكوم بالفشل وان الزمن لا يتحرك الا إذا دفعه الاخرون يصبح رد الفعل الغالب هو الانسحاب. انسحاب من المشاركة من النقاش العام من الحلم اصلا يتقوقع كثيرون في دائرة خاصة صغيرة ويغدو اهم انجاز يومي هو تفادي الالم لا صناعة المعنى.
لكن النفس البشرية لا تقبل العيش طويلا تحت سقف العجز . فالاحباط إذا تراكم يتحول الى غضب والغضب ان لم يجد منفذا مشروعا ينفجر في اشكال غير متوقعة يبدأ فرديا كسلوك عدواني او كرفض حاد لكل ما هو عام او كهجرة يائسة الى اي مكان بعيد ويتحول جماعيا الى موجات احتجاج مفاجئة طاقة متفجرة بلا برنامج ولا بوصلة تندفع بعنف ثم تخبو من دون ان تراكم مؤسسات او حلولا وقد يتجلى ثقافيا في سخرية لاذعة تسحق كل قيمة او في قطيعة مع الهوية لان الهوية نفسها ترى كعبء لا كقوة .
الشرق الاوسط يبدو لأبنائه في صورته الراهنة جسدا بلا حماية. منطقة مكتظة بالطاقات والثروات لكنها عاجزة عن حماية نفسها من التدخلات وعن انتاج قرار موحد حين يمس الامر جوهر الكرامة والحق هذه الصورة تنعكس على الفرد مباشرة اذا كانت امة كاملة لا تحمي ذاتها فكيف احمي نفسي فينكمش الايمان بالذات وتضيع فكرة السيطرة على المصير نتربى على الانتظار كخطة وعلى رد الفعل كسياسة وعلى التكيف كغاية اخيرة .
لغياب القرار كلفة نفسية واجتماعية وسياسية فادحة. نفسيا نحن امام اجيال تشكل اعصابها على توتر مزمن خوف مقيم توجس من المستقبل وانعدام ثقة بالذات وبالأخر. اجتماعيا تتسع الفجوة بين المواطن ومؤسساته لا لأنها فاسدة او ضعيفة فقط بل لأنها لا تقرر . ينكسر العقد العاطفي بين الطرفين المواطن لا يمنح الولاء لمؤسسة لا تحسم والمؤسسة لا ترى في المواطن شريكا جديرا بالمصارحة والمشاركة سياسيا يستبدل الفعل بالتأجيل ويستعاض عن الاستراتيجية بحملات علاقات عامة قصيرة النفس فتفتح الابواب على تدافع قوى خارجية تملأ الفراغ وتعاد رسم الاولويات على مقاسها حضاريا يتآكل الطموح من المساهمة في انتاج المعرفة والقيمة الى محاولة البقاء فقط .
إذا استمر هذا الفراغ في صناعة القرار فالأرجح اننا مقبلون على عواقب قاسية اولها جيل غاضب بلا بوصلة طاقة اخلاقية ضخمة تبحث عن نافذة فتحطم الجدار بدل ان تفتح النافذة، ثانيها انهيار متزايد في الثقة المجتمعية يصعب اي اصلاح لاحق لان الثقة تبنى ببطء وتنهار دفعة واحدة، ثالثها تآكل في معنى الهوية يتحول الانتماء الى اعتذار دائم او الى خطاب انكاري متشنج وفي الحالتين تضيع القدرة على تحويل الهوية الى مشروع. رابعها انفجارات دورية تظهر وتخبو من دون تراكم مؤسسي يحفظ دروسها.
المفارقة ان العلاج يبدأ من المكان ذاته الذي يصنع الألم. القرار الشجاع ليس مجرد اجراء اداري او بيان سياسي هو رسالة نفسية جماعية تقول ان الحركة ممكنة وان الزمن ليس دائرة مغلقة حين تحسم قضية صغيرة بصورة عادلة وشفافة يستعيد الناس شيئا من ثقتهم بأنفسهم وبمؤسساتهم. تتغير اللغة اليومية من لا فائدة الى لعلها بداية ومن دون هذه الومضات سيبقى الاحباط يتحول الى غضب والغضب الى فوضى والفوضى الى سردية جديدة تعزز الاحباط مرة اخرى .
ليس المقصود هنا تمجيد الحسم لمجرد الحسم . القرار الشجاع هو ما يقوم على معرفة ومصارحة ومشاركة وان تقال الحقيقة كاملة لا نصفها وان يشرك الناس في صياغتها لا في التصفيق لها .. ان تبنى مؤسسات تسمع وتصحح من دون خوف من الاعتراف بالخطأ وان يعاد تعريف القوة باعتبارها القدرة على حماية المجتمع لا السيطرة عليه. عندها فقط يمكن تحويل الطاقة المتفجرة الى طاقة مؤسسة من الغضب الخام الى عدالة قابلة للقياس من الاحتجاج المنقطع الى سياسة مستمرة .
نحن لا نعاني نقصا في الذكاء الفردي ولا في الموارد ولا في الشجاعة حين تتطلبها اللحظات الحرجة. ما ينقصنا قبل كل شيء هو الاحساس الجمعي بان هناك من يقرر ومعه نقرر بان الفعل العام ليس اقتراحا اخلاقيا بل قدرة يومية اذا استطعنا استعادة هذا الاحساس سيتغير المزاج الداخلي سيتراجع الخجل وسيكبر الاصرار وسيعود الامل الى حجمه الطبيعي لا كخيال يسكن الالم بل كخطة تنظم الطاقة لكن للأسف الشديد يبدو ان حكومة نتنياهو تدرك هذه الحالة النفسية جيدا من عجز عربي ورضوخ وتعرف تماما معناها وتستغلها بالضغط المستمر لتكسر كل من يتمسك بعروبته وكرامته. لقد اصبح الامر في جوهره معركة كرامة لذلك يضغط بعنف وقسوة وبقوة الانكسار ليحول الشرق الاوسط بأكمله الى شرق مشوه لا يقبل الا ان يكون عبيدا في منظومته ذات الطابع النازي الصهيوني .
قد لا نستطيع تغيير العالم غدا لكن يمكننا ان نغير الطريقة التي ننظر بها الى انفسنا اليوم .. ان نتوقف عن توريث العجز كهوية وان نطالب بما هو ابسط واعمق . قرار واضح شفاف قابل للمحاسبة عندها فقط سيتحول صدى الانكسار الى بداية جديدة ويصبح الغضب مادة بناء لاستعادة الكرامة كي نحترم انفسنا ونتخلص من حاله العجز التي تطاردنا .



