الكاتب : احمد دخيل
في الثاني عشر من أيلول/سبتمبر 2025، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح "إعلان نيويورك" لتسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية وتنفيذ حل الدولتين. لم يكن القرار مجرد ورقة رسمية، بل كان نافذة على حلم طال انتظاره: فلسطين دولة مستقلة قادرة على العيش جنبًا إلى جنب مع جيرانها في أمن وسلام. بالنسبة لي، ابن مخيم جرمانا، لم يكن الخبر مجرد خبر، بل كان لحظة تلتقي فيها تجربة الواقع مع أمل قديم ظل في القلب سنوات طويلة.
كما صرّح نائب رئيس دولة فلسطين، السيد حسين الشيخ، بأن "اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لإعلان نيويورك خطوة تاريخية، تؤكد دعم المجتمع الدولي لحق شعبنا في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وتفتح الطريق نحو تحقيق السلام العادل والدائم".
مخيم جرمانا ليس حيًّا عاديًا. أزقته الضيقة تختزن صخب الصيف وقرّ الشتاء، وبيوته المتداخلة تحكي شهادات لا تنتهي: صور شهداء على الجدران، شعارات العودة على الأبواب، وحكايات الوطن في الدواوين. كل شارع يحمل اسم قرية هُجّر منها الأجداد، وكأن الخرائط أُعيدت رسمها في ذاكرة الأطفال قبل دفاتر مدارسهم. كل زاوية هنا تذكّر بأننا أبناء وطن لم نفقده، حتى وإن غاب عن أعيننا.
القرارات الدولية ليست مجرد كلمات على ورق، يجب أن تتحول إلى دأب يومي، هل يكفي قرار أممي لإعادة شيخ حلم بقريته أكثر مما حلم بزوجته؟ هل يستطيع أن ينقل طفلًا من خانة "لاجئ" إلى خانة "مواطن" بعد العودة إلى وطنه؟ هذه الأسئلة أكبر من اللغة، لكنها تُشعل فينا رغبة لا تنطفئ في التغيير.
أيلول، شهر النزيف والخريف، يذكّرنا بأن سقوط الأوراق في الطبيعة يقابله سقوط الأقنعة في السياسة. تصويت الأمم المتحدة بدا لي رمزيًا: أوراق الاحتلال تتساقط، بينما يبقى الوجود الفلسطيني ثابتًا، شاهدًا على جذور فلسطين الحيّة، ونتائج التصويت تثبت ذلك.
القرار جاء بعد جهود مضنية في المحافل الدولية، أعادت فلسطين إلى صدارة الأجندة العالمية. فرنسا والسعودية لعبتا دور الرعاة لمؤتمر دولي يسعى لتحويل الاعتراف السياسي إلى مسار تفاوضي عملي، منذ لقاءات يوليو الماضي في الأمم المتحدة، هذا التنسيق الدولي فتح ثغرة في جدار الإنكار، وأكد أن الصوت الفلسطيني لم يعد وحيدًا.
في المخيم، الحقيقة تظهر بلا رتوش: الأسواق الضيقة تفوح برائحة الخبز الطازج والقهوة المرة، والأطفال يركضون بين جدران مشققة كتب عليها "سنعود". أسلاك الكهرباء الممدودة على الجدران مثل شبكة عنكبوت تتحدى فقرًا طويلًا. كل إنجاز دولي يحتاج جهدًا ميدانيًا حتى يتحول من رمز إلى حياة.
ومع ذلك، يبقى بصيص الأمل. الفلسطيني يعرف أن الأشجار عارية وأن الخريف طويل، لكنه يتمسّك بعود أخضر صغير، علامة على أن الربيع لا بد أن يأتي. الأمل يولد من تفاصيل يومية: والدي الذي رحل منتظرًا عودته، جدّتي التي خبزت على نار الصاج، وجدي المختار الذي علّق قصص النكبة في رقابنا كوصية ثقيلة. هكذا ورثنا الوطن ذاكرة وعبئًا وأملًا في آن.
القضية لا تتوقف عند التصويت، إنما في تحويله إلى فعل سياسي وأخلاقي. ذاكرة تقول للعالم: في 12 أيلول 2025، وقفتم إلى جانب الحق الفلسطيني. الاحتلال شجرة قائمة، لكنها جذع يابس تتساقط أوراقه مع كل موسم. المخيمات، بكل آمالها وآلامها، هي الشجرة الأصلية التي ما زالت جذورها تمتد في الأرض والذاكرة والقلب.
البقاء نفسه فعل مقاومة، فنحن لمن نذب ولن نذوب، الولادة في المخيم شهادة على أن فلسطين تسكننا قبل أن نسكنها، وأن كل خريف يمر لا يستطيع أن يمحو الربيع الذي نزرعه في وعينا كل يوم. وعلى العالم الذي صوّت يومًا لفلسطين أن يحوّل رمزيته إلى التزام فعلي: اعتراف يتحوّل إلى عدالة على الأرض.
المخيمات تبقى شاهدة، والدبلوماسية الفلسطينية خط الدفاع الأول عن صوتها في المحافل الدولية. هي تحمل الذاكرة، تحوّلها إلى حضور سياسي وشعوري، لتظل فلسطين حية في الضمير العالمي، حتى تعود إلى أرضها، في كل زاوية من زوايا المخيم، في كل قلب فلسطيني ينتظر عودته.



