الكاتب : أحمد دخيل
في طوكيو، خرج الانتصار من ركام الهزيمة كغصن كرز يثور من صخرة محترقة. الخسارة تحولت إلى درس، والرماد إلى مستقبل. في غزة، خرج الحصار من الجغرافيا ليصير امتحانًا للصبر، حيث يصبح الانتظار بديلاً عن الزمن. بين المدينتين، يطلّ صوت يهودي ببرود معدني: يتحدث عن "الحسم السريع"، وكأن التاريخ قابل للإعادة بالزر ذاته.
في طوكيو، لا يسمع الناس أزيز الطائرات، بل صمت الضوء في شرايين الزجاج، حيث كانت هيروشيما جرحًا كونيًّا، وصارت اليوم درسًا في البناء. اليابان لم تعد تحلم بالانتصار العسكري، بل بانتصار الفكرة على القنبلة، وبأن الذكاء أعمق من حفرة الانفجار.
أما غزة، المدينة بلا أفق، فيصرّ أحد القادة بعد العشاء قائلاً: "ليس عندنا إمبراطور يستسلم." العبارة خرجت من تحت سقفٍ لم تُثقب بالقنابل، كما خرجت فكرة النورماندي بعد غداء ثقيل، كإعلان عن نوعٍ آخر من السرعة: سرعة الرفض. اليابان استسلمت لتنهض، أما غزة فتسأل نفسها يوميًا: علامَ نرفض؟ رفض يفتح بابًا، أم يزيد الركام أرقامًا جديدة على قائمة الرحيل؟
كلاهما واجه النهاية بطريقته، لكن الفارق واضح: اليابان وُلدت من رمادٍ اعترف به العالم، وغزة تُدفن في رماد يُراد نسيانه. اليابان منحت نفسها فرصة ثانية، ومنحها الآخرون يدًا تبني معها. وغزة، كلما رفعت رأسها من الركام، واجهت يدًا تضغط على الزناد. هذا هو الفرق بين ضحية يُشهد على وجعها، وضحية يُراد لها أن تُمحى في الظلام.
حين يتحدث قادة في تل أبيب عن "إنهاء الوضع بسرعة"، يذكّروننا بكابوس الماضي. ليس قنبلة ذرية هذه المرة، بل عقلية ترى في الاختزال طريقًا للحسم: ضربة واحدة تكفي. الشرق الأوسط يُختزل بفطر نووي، لا بظل زيتونة، الشعوب تُختزل إلى جغرافيا، والذاكرة إلى هدف عسكري، والإنسان إلى أثر جانبي و خسارة تكتيكية.
اليابان مختبر السرعة، غزة مختبر الصبر، إسرائيل مختبر الخراب. ثلاث معادلات على طاولة واحدة: الأولى تقول إن المستقبل يُبنى بالعلم، الثانية تقول إن الأرض تُحفظ بالدم، الثالثة تقول إن القوة وحدها تكفي. لكن التاريخ لا يضحك طويلاً مع الأقوياء. حين رفعت اليابان رأسها، مدّ العالم يدًا تبني معها. وحين رفعت غزة رأسها، وُجهت بمدافع متأهبة.
ويبقى السؤال معلّقًا في هواء غزة البارودي: هل يعني الرفض أن نفقد ما تبقّى من المدينة؟ أم أن هدنة عاقلة، لا استسلامًا، قد تحفظ شيئًا من الأرض، من الناس، ومن المعنى؟ ربما يكون التروي وسيلة للحفاظ على ما تبقى قبل أن تُمحى المدينة من الخريطة.
اليابان صنعت أليافًا ضوئية من رمادها، وغزة، بطيئة كقافلة الجرحى، قادرة أن تصنع ضوءًا آخر. شرط واحد: ألا تفقد نفسها في النفق الأخير، وألا يتحوّل صبرها إلى قبر صامت. وحينها، يكفي أن نرفع الأقلام بدل المدافع، ونوقع اتفاقًا يوقف العبث ويعيد للمدينة روحها.



