القدس- محمد زحايكة -واثق نيوز- من أجمل المحاضرات العلمية الثقافية التي حضرناها وأثرت فينا كانت محاضرة د. صالح عبد الجواد صالح في قاعة الاجتماعات "الاسمبلي" في الحرم القديم من جامعة بيرزيت في حيطان الأعوام 1981-1982 على وجه التقريب. ومن يومها بتنا مفتونين بهذه الشخصية الاكاديمية المستنيرة وذات الخلفية السياسية الوطنية ،حيث علمنا فيما بعد أن عبد الجواد صالح المبعد إلى الأردن هو والده ( رحل عن دنيانا قبل أيام ) وانه مقرب من احدى التنظيمات اليسارية الفلسطينية إلى جانب شقيقيه الاصغرين في الجامعة عمر وناصر وما كانا يثيرانه من نقاشات صاخبة في طول وعرض الجامعة وهما المحسوبان وقتها على التنظيم الشيوعي الفلسطيني ثم الحزب الشيوعي ثم ربما حزب الشعب، وما اضطلع به د.صالح من المشاركة في حركات احتجاجية مبكرة على إبعاد والده رئيس بلدية البيرة الاسبق وكوكبة من رفاقه . واليوم، حين يحاول الصاحب ان يستذكر أبرز عناصر تلك المحاضرة الشيقة، لا يكاد يستدعي منها سوى انها تناولت هذا الكون الفسيح وما ينتشر فيه من مجرات ونجوم وكواكب وان كوكب الأرض هو ذرة غبار او اقل من حجم الكون الشاسع اللامتناهي وعمره الممتد إلى مليارات السنين بحيث يعجز العقل البشري عن تخيل او تصور عظمة هذا الكون الرهيب، وهل كانت له بداية ؟ وهل له نهاية ؟ والى اين المصير ؟ ، وعشرات الأسئلة ذات البعد الفلسفي العميق التي يحار فيها العقل البشري ويقف عاجزا مشوشا مضطرب البال والحال .
شخصية حوارية ثرية ..
كانت شخصية د.صالح عبد الجواد هادئة ومتزنة ومنفتحة على النقاش والاستماع إلى وجهات النظر الأخرى إلى أبعد مدى ممكن ، وكان واضحا انه انسان له كعب عالي في الثقافة والشأن والشحن الفكري ويعمل بشكل جدي على تثقيف وتطوير قدراته الاكاديمية والفكرية والثقافية،واننا لنلمس مدى اطلاعه على ما يجري في العالم من احداث وتطورات وما يمتلكه من قدرة تحليلية مثيرة للاهتمام والانطباع. كما أنه لا يستهين بطروحات الآخرين بل ويحاول ان يبني جسور التفاهم معهم على قاعدة انه لا أحد يمتلك الحقيقة الكاملة او المطلقة.
وقفات ..
كانت لنا وقفات سريعة ومتقطعة مع هذه العقلية العلمية الجبارة التي لا تكف عن التعلم واكتساب معارف جديدة في كل لحظة من حياتها المكرسة لخدمة الوطن والتعليم العالي وبناء أجيال متعلمة ومثقفة قادرة على الإبداع وتحقيق المعجزات لدحر المشروع الاستعماري الصهيوني وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني . وما لفت انتباهي في شخصية د.صالح هو اهتمامه الشديد بطلبته ومحاورتهم بندية وشفافية، فهو يضعهم في موقع الندية والمساواة ويفترض أنه سوف يتعلم منهم قبل أن يتعلموا منه، وهذه ملكة تعليمية وتربوية يفتقدها الكثيرون من المحاضرين التقليديين في مؤسسات التعليم العالي الذين ينتهجون اسلوب حشو رؤوس وعقول طلابهم بالمعلومات الجاهزة ووقانا الله شر النقاش والحوار والاختلاف ووجع القلب والتعب.
ضمير حي ..
د. صالح عبد الجواد، منارة علمية وفكرية سامقة، تقف على ارض صلبة، صاغت من ضميرها ووجدانها الحي مواقفها الفكرية والعلمية والتربوية بملامحها الوطنية الناصعة وقدمت خلاصة فكرها المستنير في أبحاث علمية معمقة مبنية على التجربة والبرهان وما زالت تقارع في ميدان الفكر والذود عن الرواية الفلسطينية المفترى عليها . فلنعلن اعتزازنا وتقديرنا لهذه القامة العلمية الفكرية التي تشكل بوابة حراسة عالية لجبهتنا الثقافية والفكرية الوطنية آخر الجبهات الصامدة على خطوط النار الامامية .



