الكاتب : د.محمد جبريني
تطرح مسألة الحماية الدولية للشعب الفلسطيني نفسها اليوم بوصفها مطلباً إنسانياً عاجلاً واستحقاقاً سياسياً وقانونياً في آن معاً. فمع تصاعد الاعتداءات اليومية التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون، بات الوجود الفلسطيني برمته مهدداً بسياسة ممنهجة تقوم على القمع والاقتلاع وفرض وقائع أحادية الجانب تتعارض مع القانون الدولي.
تتجلى هذه الاعتداءات في أنماط متكررة تشمل القتل الميداني، هدم المنازل، مصادرة الأراضي، وإتلاف المحاصيل الزراعية، ولا سيما أشجار الزيتون التي تمثل ركناً في الهوية الوطنية الفلسطينية. قرى مثل ترمسعيا، كفر مالك، المغير، برقة، بيتا، العوجا، ومسافر يطا وغيرها تشكل نماذج دالة على حجم الاستهداف الممنهج الذي يتراوح بين اقتحامات المستوطنين المسلحة تحت حماية الجيش، وحملات منظمة لاقتلاع عشرات آلاف الأشجار، ما يندرج ضمن سياسة الإخضاع ودفع السكان إلى الرحيل القسري. والحملة الأخيرة على قرية المغير مثال واضح، إذ تحولت إصابة طفيفة لأحد المستوطنين إلى ذريعة لعملية عسكرية واسعة ضد القرية وسكانها وأشجارها.
ولا يقف الأمر عند حدود القرى والأرياف، بل يمتد إلى استباحة مراكز المدن جهاراً نهاراً، واستهداف مخيمات اللاجئين، حيث تشهد مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس اقتحامات عسكرية دائمة تسفر عن سقوط ضحايا وتدمير واسع للبنية التحتية وإجلاء السكان. ويواكب ذلك مسعى واضح لتقويض دور الأونروا ومنعها من أداء وظائفها، تمهيداً لتحويل المخيمات إلى “ضواحٍ سكنية” خالية من بعدها السياسي، بما يعنيه ذلك من محاولات لإلغاء قضية اللاجئين من أجندة الحل النهائي.
إن هذه السياسات تمثل خرقاً فاضحاً لالتزامات إسرائيل كقوة احتلال بموجب اتفاقيات جنيف الرابعة (1949)، كما تنتهك نصوص اتفاق أوسلو (1993) التي نصت على تجميد الإجراءات الأحادية بانتظار التسوية النهائية. وهي، في جوهرها، تعبير عن مشروع استيطاني إحلالي يهدف إلى تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، وإدامة واقع السيطرة الإسرائيلية على الأرض والشعب.
في مواجهة هذا الواقع، يغدو مطلب الحماية الدولية للفلسطينيين واجباً أخلاقياً وقانونياً، يتجاوز البعد الإنساني ليشكل أداة سياسية لإعادة تدويل القضية الفلسطينية وإخضاع إسرائيل للمساءلة الدولية. فالحماية لا تقتصر على نشر قوات مراقبة أو حفظ سلام، بل تشمل أيضاً إنشاء مظلة سياسية وقانونية فاعلة: فرض عقوبات على الاستيطان، تفعيل الاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية، وضمان الاعتراف العملي بحق الفلسطينيين في تقرير المصير.
في هذا السياق، اكتسب مؤتمر نيويورك التحضيري حول حل الدولتين (يوليو 2025) أهمية خاصة، إذ صدر عنه “إعلان نيويورك” الذي تبنته أكثر من 160 دولة، ودعا إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ووقف الإجراءات الإسرائيلية الأحادية وتوفير حماية للمدنيين الفلسطينيين. كما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده ستعترف رسمياً بدولة فلسطين في أيلول المقبل، في خطوة مرجح أن تحذو حذوها دول أخرى مثل بريطانيا وكندا وأستراليا. ويؤمل أن يشكل المؤتمر الأساسي المرتقب في نيويورك في أيلول 2025 محطة مفصلية لترجمة هذه الالتزامات إلى خطوات عملية، سواء عبر توسيع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، أو من خلال تفعيل آليات الحماية الدولية ومساءلة إسرائيل على انتهاكاتها.
وعليه، فإن القضية الفلسطينية تقف اليوم أمام مفترق حاسم: إما أن يتحول مطلب الحماية الدولية إلى برنامج عمل دولي ملزم، يوفر للفلسطينيين الحد الأدنى من الأمن والأمان، أو أن يبقى مجرد خطاب إنشائي يعيد إنتاج عجز المجتمع الدولي عن فرض قواعد القانون الدولي على قوة احتلال تضرب بها عرض الحائط. في هذا الاختبار، لا يُمتحن الفلسطينيون وحدهم، بل يُمتحن أيضاً صدق النظام الدولي برمته وقدرته على حماية الشعوب وحقوقها الأساسية.



