الكاتب : أحمد دخيل
لا أحد أخبرهم أن الحبر إذا جُرح، سال بحرًا.
في التاسع والعشرين من آب/أغسطس 1987، أزّت رصاصة أدوات الاحتلال في قلب لندن، ظنّوا أنهم أوقفوا نبض رجل واحد، فإذا بهم يوقظون جرح فلسطين كله. أفاق الجرح من سباته، وخرج يطوف، يترك بصماته على كل جدار، وفي كل ذاكرة.
لم يكن ناجي العلي "رسّامًا" بالمعنى البارد للكلمة. كان ناسكًا، يتهيأ لصلاة طويلة، يتوضأ بالذاكرة قبل أن يخط أول سطر. كل خط عنده بيان، وكل وجه يرسمه شاهدٌ على قيامة نعرف أنها ستأتي. ومن عمق هذا القلب خرج حنظلة؛ طفلٌ في العاشرة، يلف ذراعيه خلف ظهره كما لو يخبّئ مفتاحًا صغيرًا، أو خريطة مطوية، أو حلمًا لم يسمح له أحد بأن يكبر.
رسومه لم تكن كاريكاتورًا لتسلية القراء، بل أرشيفًا للمخيمات، مكتوبًا بحبر من ملح البحر وعرق اللاجئين. كان يضحك بأسلوب من يذرف دمعةً وهو وحده، ويسخر كما يدقّ الناقوس فوق صليبٍ مجروح أو كما يرفع المؤذن الأذان في مدينة محاصرة. كان يرسم فلسطين كما يراها القلب، لا كما تعكسها الصور الرسمية.
اغتياله… لا، لم يكن غيابًا. كان تحوّلًا. صار الحبر عنقاءً، تضرب بجناحيها سماء الخيام، وصار حنظلة حارس الذاكرة الذي يشيخ العالم وهو في العاشرة. بقيت الخطوط على الورق مثل جروح لا تشفى، تصرخ بأن المعركة لم تنتهِ، وأن الريشة قد تصنع ما لا تصنعه المدافع.
في ذكرى رحيله، أراه يمشي في المخيمات، وفي أزقة الشتات، يمرّ بنا كنسمة من بحر حيفا، ويترك على أصابعنا لون الحبر، يذكّرنا بأن الوطن لا يموت، وأن العودة ليست فكرةً في كتاب، بل وعدًا لا يقبل المساومة. سلام على روحك يا ناجي، وعلى حنظلة، الواقف بيننا وبين النسيان، حتى يفتح باب العودة وتغتسل الجدران بماء الحقيقة.



