الكاتب : منير قليبو
تمر الأمة العربية (نحن) بمنعطف تاريخي حاسم، تتمزق فيه بين ذاكرة ماضٍ مشرق صنع لنا وللعالم قاطبة قدر لا يستهان به من الحضارة وأثرى العلوم والمعرفة الإنسانية، وواقع حاضر مُثقل بالتحديات والصعوبات والتعقيدات التي باتت مجتمعة تهدد كيان هذه الأمة وثقافتها وتاريخها وارثها الحضاري وهويتها.
للأسف، لم يعد الخطر مقتصرًا على تخلفنا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعلميا و ثقافيا فحسب، بل امتد ليطال البنى الاجتماعية والإنسانية لنشهد انحدارا غير مسبوق في جملة القيم والعادات والتقاليد التي لطالما تشكل أساس وتكوين أي أمة.
في هذه المقالة احاول تشريح جذور هذه الأزمة من وجهة نظري ومن خلال تجربتي الخاصة والأزمة هنا عميقة عمق المحيط ومتعددة الأبعاد، وذلك من خلال تقييم واقع الحال في مجال السياسة والاقتصاد والمجتمع بما يشمل العلوم والمعارف والاداب من ناحية ، ثم الفنون والقيم المجتمعية والثقافة من ناحية اخرى لانتهي في آخر المقال بوضع تصور متواضع للحد وللخروج من هذا النفق المظلم نحوى النهضة المنشودة لهذه الأمة التائهة.
تاريخيا، لكن تفاخرنا نحن العرب بمبادرات وانجازات وبإسهامات واختراعات وكتابات أسلافنا في المجالات العلمية والمعرفية والأدبية والتي أسست لعلم الجبر والكيمياء والفيزياء والطب والفلك ، لكن وللأسف الشديد ذلك الإرث المجيد تحول إلى ستار يُخفي واقعًا مريرًا من التخلف والتبعية ولو تعمقنا في أصول هذه الإنجازات لتيقينا بانها انجازات عجمية وفارسية استعرناها ضمنا .
1. المؤشرات الملحوظة للانهيار العلمي :
ضعف الابتكار والإنجاز العلمي والمبادرات : تؤكد الإحصائيات أن حصة العالم العربي من براءات الاختراع العالمية لا تتجاوز 1%، في حين تحتكر دول مثل أمريكا والصين واليابان وأوروبا النسبة الساحقة. وهذا مؤشر واضح على غياب ثقافة الابتكار والإبداع.
تدني الإنفاق على البحث والتطوير (R&D): لا يتجاوز متوسط إنفاق الدول العربية على البحث العلمي 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم يهزأ بالمقارنة مع دول مثل كوريا الجنوبية وإسرائيل (4-5%)، مما يعكس غياب الإرادة السياسية الحقيقية لجعل العلم أولوية استراتيجية.
التبعية التكنولوجية: كانت جائحة كورونا اختبارًا عمليًا صارخًا؛ حيث وقفت الأمة العربية كاملة عاجزة عن إنتاج لقاحها، وانتظرت بفارغ الصبر ما تنتجه مختبرات الغرب، مما كشف عن هشاشة المنظومة الصحية والعلمية بشكل كارثي.
2. الأزمة القيمية: البعد الأعمق للانهيار:
الانهيار العلمي ليس منفصلاً عن الانهيار القيمي، بل هو نتيجة حتمية له. لقد شهدت المنظومة القيمية تشوهات خطيرة:
ازدواجية الخطاب والممارسة: تحول الإيمان في بعض الممارسات إلى شعارات جوفاء ترفع في المساجد ودور العبادة وحيث التجمعات وتُهدم في التعاملات اليومية في الأسواق ومؤسسات الدولة، حيث انتشرت آفات الفساد والرشوة والمحسوبية.
ثقافة الخنوع والسلبية: استبدل التخطيط والعمل الجاد بثقافة الدعاء بلا عمل، والانتظار بلا مبادرة. كما أصبح الخنوع للظلم والفساد أمرًا مألوفًا، بل ومكافأ في بعض الأحيان، بينما يتم تهميش صوت العالمين والمصلحين.
أزمة المسؤولية: تراجعت قيم النزاهة والأمانة والرأفة والعدالة والمساواة والمسؤولية الاجتماعية لصالح الفردية والأنانية والبحث عن المصلحة الشخصية الضيقة، حتى لو كانت على حساب المصلحة العامة.
الخلاصة: الأزمة ليست في غياب العقول، بل في غياب البيئة المحفزة والقيم الحاضنة لها ولا يمكن بناء حضارة علمية على أنقاض قيم منهارة وعلى كافة الاصعدة ونستطيع ان نشهد على ذلك من خلال المضمون العربي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، وهو بمجمله يعكس صورة المجتمعات العربية المنهارة .
الجزء الثاني: من القمة إلى القاع.. انهيار المشهد الثقافي والسياسي :
إذا كان العلم هو عصب الأمة، فإن الثقافة والفن هما روحها وهويتها. والروح في حالة إصابة بالغة.
1. من العمالقة إلى التفاهة: الانزياح الثقافي: شهد القرن العشرون نهضة ثقافية وفنية عربية أذهلت العالم:
أدبيًا: أنجبت الأمة عمالقة مثل نجيب محفوظ (الحائز على نوبل)، وطه حسين (صاحب مشروع التنوير)، واحمد شوقي، ومحمود درويش وسميح القاسم ونزار قباني(الذين جسدوا صوت الأمة وشغفها).
فنيًا: سيطرت أم كلثوم وأسمهان وفريد الاطرش وعبد الحليم حافظ وشادية وفيروز وموسيقى الرحابنة والسيد درويش والكثير من ابناء وبنات ذلك الجيل على الذوق العربي برقيٍّ وأصالة، وقدم المسرح والسينما والأوبرا أعمالاً خالدة.
أما اليوم، فقد شهدت الساحة انزياحًا وهبوطا صادمًا:
موسيقى:من الفن الرفيع إلى "شاكوش وبيكا ونمبر ون"، حيث تحولت الموسيقى من غذاء للروح إلى ضجيج يكرس التفاهة والانحطاط .
شعر وأدب: من قصائد درويش التي تخلد القضية والإنسان إلى كلمات سوقية تُسوَّق على "تيك توك" وتُستهلك في ثوانٍ.
دراما: من أعمال الرحابنة التي تزاوج بين الفن والفكر إلى مسلسلات هزلية وأفلام تجارية تشوه التاريخ وتُبسط الوعي.
2. التفكك السياسي والاجتماعي: بيئة طاردة للإبداع:
هذا الانزياح الثقافي لم يأت من فراغ، بل هو نتاج طبيعي لبيئة سياسية واجتماعية مأزومة:
الجهل المستشري: وجود أكثر من 100 مليون أمي في عصر الثورة الرقمية هو جريمة بحق المستقبل. وتصدر العالم العربي لأدنى نسب القراءة العالمية مؤشر خطير على موت العقل الناقد.
الهروب الجماعي: رغبة ثلث الشباب العربي في الهجرة هي صفعة لكل نظام حاكم، وهي دليل على فشل النموذج القائم على القمع والفساد وغياب العدالة الاجتماعية.
التفكك والصراع: تحولت الوحدة القومية إلى أسطورة، وحل محلها تمزق طائفي وحزبي وقطري، فيما أصبحت أجهزة الأمن أداة للترهيب أكثر منها للحماية.
الخلاصة: انتقلنا من أمة تنتج الفكر والجمال وتساهم في الحضارة الإنسانية، إلى أمة تستورد التفاهة وتستهلكها، وتتمزق من الداخل بأبشع صورها ومظاهرها المعيبة بشكل عام ، سياسة وسياسيين تحكمهم اجندات غربية ، غياب للديموقراطية وحرية القلم والقول والتعبير ، نظريات تندرج فقط تحت عنوان المؤمرات .
الجزء الثالث: من النقد إلى النهضة.. مقترحات على طريق الخلاص
التشخيص ضروري، لكنه ليس كافيًا. الخروج من هذه الحالة يحتاج إلى مشروع نهضوي متكامل، تشارك فيه كل فئات المجتمع.
1. استعادة الدور الحضاري: من الاستهلاك إلى الإنتاج
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والثورة المعرفية: يجب أن تكون هذه المجالات على رأس الأولويات، مع رفع ميزانيات البحث العلمي إلى ما لا يقل عن 2% من الناتج المحلي كحد أدنى، وربط الجامعات بالصناعة وسوق العمل.
تمكين الشباب: هم ليسوا مستقبل الأمة فحسب، بل حاضرها. يجب تحرير طاقاتهم عبر توفير مناخ من الحرية الفكرية، وتمويل مشاريعهم الريادية، وإشراكهم في صنع القرار، بدلاً من دفعهم إما إلى الهجرة أو إلى براثن السلبية والتفاهة.
2. إعادة البناء القيمي والاجتماعي:
المشاركة لا الوعظ: على كبار السن والحكماء الانتقال من موقع الواعظ إلى موقع الشريك والداعم، باستثمار خبراتهم في التوجيه العملي وتربية جيل جديد يوازن بين الأصالة والمعاصرة.
المسؤولية الاجتماعية الشاملة: النهضة ليست مسؤولية الحكومة وحدها. كل فرد، أسرة، مدرسة، مؤسسة إعلامية، ونخبة business ملزمة بنشر قيم النزاهة، ودعم التعليم، ومحاربة الفساد، وبناء مجتمع نظيف ومنظم.
3. إعادة الاعتبار للهوية الثقافية:
دعم المبدعين الحقيقيين: رعاية الفنون الأصيلة والجادة ونشرها، والارتقاء بالذوق العام عبر التعليم الإعلامي، ومقاومة موجات التفاهة التجارية التي تغزو بيوتنا.
المصالحة مع التراث والحداثة: بناء هوية ثقافية لا تنغلق على التراث ولا تذوب في الحداثة الغربية، بل تأخذ من كليهما ما يبني شخصية عربية معاصرة وواثقة.
خاتمة: النهضة.. قرار وليس حلمًا
النهضة ليست معجزة، بل هي خيار استراتيجي يتطلب إرادة سياسية وشعبية صلبة. إنها عملية مركبة تبدأ بإصلاح الفرد نفسه، ثم الأسرة، ثم المجتمع، لتصل إلى مؤسسات الدولة. لا يمكن استيراد حضارة جاهزة، ولا يمكن العيش على أمجاد الأموات إلى الأبد. الطريق طويل وشاق، لكنه ليس مستحيلاً. النهضة الحقيقية هي التي تضع العلم في خدمة القيم السامية، وتوظف طاقة الشباب تحت إشراف حكمة الشيوخ، وتحول الإيمان من شعار إلى عمل ملموس. حينها فقط، نستحق أن نرث ماضينا المجيد، ونبني حاضرًا يليق بأبنائنا .
* ابن القدس وابن التجربة الفلسطينية



