الكاتبة : د . سناء شحادة
هل سبق وأن استيقظت من نومك وبدلًا من شرب قهوتك أو النظر من النافذة، كان أول ما فعلته هو فتح هاتفك؟ تمرر الشاشة بسرعة… صور أصدقاء في رحلات، حفلات زفاف خيالية، منازل مثالية، وجوه خالية من التعب، أطفال كالملائكة. وفي لحظة صامتة، يسكنك سؤال قاسٍ:
“لماذا حياتي لا تبدو هكذا؟”
هذه اللحظة العابرة قد تبدو بسيطة، لكنها بداية طريق طويل من المقارنة غير المنصفة، طريق يُسرق فيه رضاك عن حياتك، ويُغتال فيه إحساسك بالإنجاز.
المقارنة الرقمية… تسميم بطيء للصحة النفسية ..
وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت “منصة عرض” يتسابق فيها الناس لعرض أفضل ما لديهم. والمشكلة أن ما نراه ليس الحقيقة كاملة، بل مجرد “لقطات مُختارة” محسوبة بعناية.
حين تقارن نفسك بهذه الصور، تبدأ آثار السم بالتسلل إلى نفسيتك:
• تقلّ ثقتك بنفسك، وتشعر أنك أقل نجاحًا حتى لو كنت تحقق إنجازات مهمة.
• تفقد متعة الحاضر، لأنك منشغل بمقارنة ما لديك بما لدى الآخرين.
• تتذمر باستمرار من حياتك وزواجك وحتى مظهرك، فيتحول الامتنان إلى سخط.
• تعيش في قلق دائم، تخشى أن يفوتك ما يعيشه غيرك (متلازمة FOMO).
علامات الوقوع في فخ المقارنة الرقمية ..
كيف تعرف أنك وقعت في هذا الفخ الخفي؟
• يتحول لسانك من الحمد إلى الشكوى بلا سبب جوهري.
• تتابع أخبار الآخرين أكثر مما تتابع خطواتك وتطورك الشخصي.
• تشعر بالنقص والغيرة فور مشاهدة صور أو إنجازات جديدة.
• تضع شريك حياتك أو أولادك في ميزان مقارنة مع الآخرين، فتهتز علاقتك.
• يصبح لنجاحاتك قيمة فقط حين تُعرض على الشاشة، لا حين تعيشها بصدق.
5 خطوات لحماية سعادتك في عصر المقارنات :
1. اجعل إنجازك لنفسك لا لإبهار الآخرين - النجاح الحقيقي هو ما يضيف لقيمتك أنت، لا ما يُثير إعجاب الآخرين للحظات.
2. قلّل وقت التصفح العشوائي
كل دقيقة تقضيها في مقارنة حياتك بالآخرين هي دقيقة تُخصم من سعادتك. نظّم وقتك على السوشيال ميديا، وألغِ متابعة الحسابات التي تستنزف طاقتك.
3. دوّن تقدمك الشخصي مهما كان صغيرًا
اكتب ما أنجزته يوميًا أو أسبوعيًا. ستكتشف أن خطواتك الصغيرة هي من تصنع الطريق الكبير.
4. تذكّر: ما نراه على الإنترنت مجرد “لقطات مختارة”
الصورة المشرقة لا تعكس الفوضى خلف الكواليس. كل إنسان لديه تحديات وأوجاع لا يشاركها.
5. احمِ دفء علاقتك الأسرية
لا تقارن شريكك أو أولادك بغيرهم. الحب ينمو بالقبول، بينما المقارنة تقتله بهدوء.
مثال من الواقع:
شابة تتابع صفحات عن “الحياة المثالية للزوجين”، فتصبح مطالبة لشريكها بما تراه هناك: عشاء فاخر كل أسبوع، هدايا مفاجئة يومية، صور رومانسية معلنة. ومع تكرار المطالب، تتحول علاقتها لبرود وخلافات، ليس لأن شريكها لا يحبها، بل لأنها وضعت حياتها في مقارنة مع “لقطات مُمنتجة” لحياة آخرين.
رسالة أخيرة للقلب ..
“السفينة لا تغرق بسبب الماء المحيط بها، بل حين يتسرب الماء إلى داخلها”…
كذلك أنت، لن يغرقك ما لدى الآخرين إلا إذا سمحت له أن يتسلل إلى قلبك وقيمتك الذاتية.
- اجعل سعادتك نابعة من داخلك، لا من إعجاب الآخرين.
- عش حياتك كما تريد… لا كما يعيش الناس في صورهم.
* أخصائية ومرشدة نفسية وتربوية – جامعة القدس المفتوحة



