الكاتب: د.محمد جبريني
في السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفاً في تاريخ الدولة العبرية، بات واضحاً أن اليمين الصهيوني الديني المتشدد لم يعد يكتفي بإخفاء أجندته خلف شعارات الأمن أو التاريخ، بل أصبح يعبّر عنها صراحة وبلا مواربة. هذه الصراحة السياسية التي تترجم يومياً عبر سياسات الأرض المحروقة في غزة، والاستيطان المنفلت في الضفة الغربية، وتشريع التمييز العنصري داخل الخط الأخضر، لم تُظهر فقط مدى عمق التطرف في المشهد الإسرائيلي، بل كشفت أيضاً الوجه الحقيقي للمشروع الصهيوني كما لم يحدث من قبل.
لقد اعتادت إسرائيل، لعقود، أن توازن بين ممارسة الاحتلال وتجميله دبلوماسياً، بين الاستيطان وقانونية الوجود، وبين خطاب “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” وواقع الإقصاء والتمييز على الأرض. لكن صعود التيارات الدينية القومية، ممثلةً بشخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، كسر هذا التوازن الهش، وفضح ما كان يُدار خلف الكواليس بلغة القوة والعقيدة والتفوق العرقي.
وفي خطوة تعكس ذروة العلانية في طرح مشروع التوسع، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في مقابلة مع قناة i24، أنه يشعر بأنه في مهمة “تاريخية وروحية” مرتبطة برؤية “إسرائيل الكبرى”، وأنه “مرتبط جداً” بهذا المفهوم، في تصريح يعد إعلاناً سياسياً واضحاً وليس مجرد شعار دعائي. هذه الرؤية تتجاوز حدود 1967 لتشمل أراضي الضفة الغربية وغزة، بل وأجزاء من دول الجوار، ما أثار عاصفة من الإدانات الإقليمية والدولية.
العالم يرى… ويتغيّر
لم يعد الرأي العام الدولي – كما كان في السابق – غافلاً أو خاضعاً بالكامل للرواية الإسرائيلية الرسمية. فالمجازر المتكررة، والاستهداف المتعمد للمدنيين في غزة وتجويعهم، واقتحامات المسجد الأقصى، وقوانين العنصرية، جميعها أصبحت موثقة بالصوت والصورة، تنقلها المنظمات الحقوقية العالمية، وتُعرض يومياً في تقارير وسائل الإعلام الدولية ومواقع التواصل الاجتماعي.
وقد بدأت بالفعل ردود الفعل على تصريحات نتنياهو الأخيرة تأخذ طابعاً أكثر حدة: الأردن وصفها بأنها “تحدٍّ خطير للسيادة العربية” و”استفزازية ومتهورة”؛ الجامعة العربية نددت بما سمته “العقلية المتطرفة المغلفة بأوهام استعمارية”؛ السعودية دعت المجتمع الدولي إلى التصدي لهذه التصريحات التي تنتهك القانون الدولي؛ ومصر طالبت بتوضيح رسمي معتبرة أن مثل هذا الخطاب يقوّض فرص السلام. أما الرئاسة الفلسطينية فاعتبرت ذلك “استفزازاً صارخاً” يعكس “سياسة توسعية وغطرسة سياسية لا تخدم الاستقرار”.
إلى جانب ذلك، نشهد تحولات ملموسة في المواقف الغربية، أبرزها اعترافات عدد من الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية، وازدياد حجم التظاهرات المناهضة لإسرائيل في كبرى العواصم الغربية، وتصاعد المطالبات بوقف الدعم العسكري لها.
ثمن سياسي قادم لا محالة ...
ما يفعله اليمين الإسرائيلي المتطرف اليوم لا يمكن أن يمر دون تبعات. فكلما زادت غطرسة الاحتلال، وانكشف زيف “الديمقراطية” الإسرائيلية، اقترب العالم من لحظة الحقيقة: دعم إسرائيل لم يعد مجانياً. وإذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تُشكّل صمام أمان دبلوماسي لإسرائيل، فإن الاتجاه العام في أوروبا، وأميركا اللاتينية، وآسيا، وحتى بين يهود الشتات، يشير إلى بداية تراجع شرعية الدولة العبرية في الوعي السياسي والأخلاقي الدولي.
صحيح أن هذه التحولات لا تزال بطيئة مقارنة بحجم المأساة الفلسطينية، إلا أن التغيير البنيوي في الموقف الدولي بات أقرب من أي وقت مضى. فالتطرف الإسرائيلي لم ينجح فقط في تقويض فرص التسوية، بل بدأ فعلياً في نسف صورة إسرائيل التي حاولت أن ترسمها لنفسها كدولة متحضرة تنتمي إلى العالم الغربي والديمقراطي.
خاتمة: إلى أين؟
اليمين الصهيوني يعتقد أنه يحقق “نصراً عقائدياً” على الأرض، لكنه في الحقيقة يسير بإسرائيل نحو عزلة سياسية متزايدة، وتآكل في شرعيتها الدولية، وتفاقم للتناقضات الداخلية التي تهدد بانفجار اجتماعي وسياسي مستقبلي.
إن تصريحات نتنياهو التي تطعن في الحدود المعترف بها دولياً وتذهب إلى تجسيد “إسرائيل الكبرى”، ترسّخ طبيعة المشروع الاستيطاني التوسعي، وتضع مصالح إسرائيل في مواجهة مباشرة مع جُلّ الدول العربية والمجتمع الدولي. لقد رفع هذا التيار القناع عن وجه إسرائيل الحقيقي، والعالم هذه المرة لن يتسامح مع ما يحدث، وإن شهر أيلول لناظره قريب!!



