الكاتب: اياد أبو روك
ان حقيقة الواقع تحتم علينا الاعتراف انه لم يعد للسياسة دور يذكر، ولا للدبلوماسية معنى في هذا الزمن المنكوب، أمام مشهدٍ يوميّ تُباد فيه غزة بالكامل، شعبًا وأرضًا وهوية. لقد فقد العالم بوصلته الأخلاقية، وتحولت القوانين الدولية إلى أوراقٍ ميتة لا تردع قاتلًا ولا تنصف مظلوما. لم يعد لصوت المقالات، ولا لصدى التحليلات، ولا لهتافات المظاهرات في عواصم العالم الكبرى أي قيمة تُذكر. آلاف النصوص كُتبت، ومئات الوثائق صوّرت ورفعت، لكن آلة القتل الصهيونية لا تزال تمضي بدم بارد، تحصد أرواح الأبرياء، وتطحن الحجر والبشر، بينما العالم ينظر بعين العجز وربما التواطؤ. نعم التواطؤ لطالما ان كل صباح يشاهدون مئات الأطفال يبادون في وضح النهار ولايستطيع أي زعيم عالمي ان يحرك ساكن او حتي يصرخ بقول الحقيقة اما هذا الذهول. .
من منّا لم يُصبه الذهول؟ من لم يشعر بهذا الكمّ الهائل من الخذلان؟ كيف يمكن لكل هذا الحشد البشري الذي يملأ الشوارع رافعًا رايات الحرية، أن يعجز عن وقف مجزرة واحدة؟ ما قيمة الوعي العالمي إن لم يكن قادرًا على حماية طفل من قصف الطائرات؟ ولماذا لم تُثمر كل هذه الأصوات الحرة أي تغيير حقيقي في ميزان القتل والعدالة؟
كل دقيقة تمرّ، هي حياة تُنتزع من جسد طفل، وأم تنكسر، وبيت يتحول إلى ركام. ومع كل هذا، لا تزال إسرائيل تُمارس وحشيتها وكأنها فوق القانون، بل وكأنها تدوس على فكرة القانون نفسها. لم تعد المجازر مجرد مشاهد عابرة، بل أصبحت روتينًا يوميًا يشاهده الناس على هواتفهم، بينما يرتشفون قهوتهم، أو يستعدون ليوم عمل جديد. وهذا بحد ذاته جريمة مضاعفة: أن نعتاد الموت، أن يصبح القصف خبرًا مكررًا، وأن تتحوّل الإبادة إلى مشهد عادي لا يثير صدمة أو احتجاجًا حقيقيًا.
الشعب الفلسطيني، في غزة تحديدًا، يعيش اليوم حالة من الفوضى الفكرية والوجدانية. تتأرجح مشاعره بين منطقٍ محبط عاجز عن الفهم، وعاطفة جياشة تهزّ الأعماق. لقد أفقدتنا المآسي القدرة على التفكير، وشلّنا الحزن حتى بتنا غير قادرين على استيعاب ما يحدث. لم نعد نعرف لمن نوجّه اللوم: هل للاحتلال الذي لا يتوقف عن القتل؟ أم للأنظمة التي صمتت؟ أم لأنفسنا التي تركناها تتآكل بين العجز والانتظار؟
إن ما يحدث في غزة ليس مجرّد مواجهة مؤقتة، بل هو فصل من مشروع طويل، تسعى فيه إسرائيل لتهجير الفلسطيني، ولتفريغ الأرض من أهلها، وتدمير أي فرصة لقيام دولة أو حتى كيان له ملامح. غزة ليست الهدف الوحيد، لكنها الحلقة الأضعف التي تُستنزف أولًا، لأنها وحدها تقف، تقاتل، وتحاصر.
ما يزيد من عمق المأساة أن الرؤية الفلسطينية، وتحديدًا لدى حركة حماس، تبدو ضعيفة وهشة، لا تقوم على مشروع وطني جامع، بل على اجتهادات متفرقة تجعل من الشعب وقودًا لمعركة غير متكافئة. كل صباح، يُقدَّم أبناؤنا قرابين لصراعٍ فُرض عليهم، في ظل غياب حقيقي لأي قيادة تمتلك الرؤية والحكمة. ولا يمكن الحديث عن مقاومة فاعلة، دون مشروع واضح، ولا عن صمود، دون وحدة صفّ، ولا عن كرامة، ونحن نعيش هذا الانقسام المهين، والارتجال في اتخاذ القرار.
التناقض الذي نعيشه مرعب. بين ما نؤمن به من عدالة قضيتنا، وما نراه من نتائج على الأرض. بين وجعنا الذي يصرخ كل يوم، وعجزنا الذي لا يجد سبيلًا للتعبير عنه. لقد بلغنا مرحلةً من الألم دفعتنا إلى جلد الذات، إلى لوم أنفسنا حتى قبل أن نلوم العدو. وهذا اللوم ليس ضعفًا، بل صرخة وعي، تحاول أن تبحث عن معنى وسط كل هذا العبث وهنا، أمام كل هذا الدمار، وهذا الصمت الكوني
ومن هنا، لا بد من إعادة تعريف كل شيء. لا بد من وقفة صريحة، مؤلمة، نراجع فيها خطابنا، نعيد فيها ترتيب أولوياتنا، ونفكر فيها بعمق في معنى المقاومة، في شكلها، في أدواتها، في أهدافها. فليس المطلوب فقط أن نموت بشرف، بل أن نعيش بكرامة. المطلوب أن نحمي شعبنا، لا أن نُقدمه في كل مرة للمحرقة، باسم الشجاعة والبطولة.
غزة اليوم تصرخ، لا تطلب الشفقة، بل العدالة. لا تنادي بالعاطفة فقط، بل بالوعي. لا تكتب وصيتها، بل تكتب التاريخ بدمها، وتقول لنا جميعًا: ما زال هناك وقت، إن أردتم أن تكونوا أحياءً فعلًا لا أشباه بشر. ، لا يبقى سوى سؤال واحد يطاردنا ككابوس:
هل ما زلنا بشرًا بعد غزة؟
أم أننا فقدنا إنسانيتنا حين اعتدنا رؤية الأطفال يُسحبون من تحت الركام دون أن نرتجف؟.



