الكاتب : عيسى قراقع
في البدء كانت الكلمة.
ثم جاءت الصورة،
وفي كليهما: كان الموت يتربّص بالحقيقة.
أنس،
أيها العابر بين فكرتين،
بين لحظة التصوير وارتطام الصاروخ،
هل أدركت أن الوجود ذاته
يصير في غزة سؤالًا مؤجّلًا؟
أن تكون، أو أن تُمحى.
أن تحمل الكاميرا في هذا العالم
هو أن تعلن حربًا ضد العدم.
هو أن تقول:
“أنا أرى، إذًا أنتم لا تستطيعون الإنكار.”
وهذا،
في منطق الجلاد،
جريمة كبرى.
من قال إن الحقيقة لا تُقتل؟
من اخترع كذبة أن "الضوء لا يموت"؟
لقد مات الضوء معك، أنس.
انهار في لحظة،
حين تحوّلتَ من شاهد إلى شظية.
لكن…
هل ماتت الحقيقة؟
أم أنها خرجت من جسدك
كروح تتجوّل في الهواء،
تبحث عن منبر آخر،
عن فم جديد لم يغلقه الركام؟
ما الذي يجعل من الإنسان صحفيًّا في جحيم؟
هل هو الحنين إلى المعنى؟
أم الرغبة في خيانة العدم؟
في القول: أنا هنا،
أكتب، أُصوّر، أشهد، أقاوم...
وإن متّ،
فلن يكون موتي صمتًا.
الموت ليس نقيض الحياة،
بل نقيض الكذب.
وأنتم – يا أنس ورفاقك –
متّم لأنكم قلتم الحقيقة
حين خرسَ الجميع.
إن كاميراتكم،
ليست آلات تسجيل.
بل مِرايا لضمير العالم،
وأنتم – في لحظة السقوط –
كنتم أكثر وجودًا من ملايين الأحياء.
لأنكم عرفتم:
أن الإنسان ليس ما يعيشه،
بل ما يشهد له،
وما يموت من أجله.



