الكاتب : إياد ابو روك
في زمن يتساقط فيه الصمت على قلوب كثيرة ولد صوت أحمد وليد قديح مختلفا صريحا شجاعا ينطق بالحق حتى لو ارتجفت الارض من حوله تحت وقع القنابل. أحمد الشاب الذي عاش حياة قصيرة لكنه ملأها بمواقف الرجال وكلمات الكبار كان واحدا من اولئك القلائل الذين لا يكتفون بالنجاة لأنفسهم بل يحملون هم الاخرين ويتقدمون الصفوف حتى وان كانت الاثمان باهظة .
ولد أحمد في بلدة خزاعة بين حقولها وأزقتها التي عرفت صوته وضحكته واثر قدميه . لم يكن أحمد مجرد فرد من البلدة بل كان ابنا لعائلة لها تاريخ طويل في النضال والعطاء والده وليد قديح المناضل الذي ربى أبناءه على القيم والمثل العليا وعلى حب الوطن والعمل من اجله اما جده جبر قديح فكان من الرجال الذين تركوا بصماتهم العميقة في مسيرة القضية الفلسطينية ومن الذين آمنوا بأن الارض لا تحفظ لأبنائها الا اذا حفظ ابناؤها عهدها .
لم تكن الوطنية عند أحمد طارئة او وليدة لحظة بل كانت موروثا متجذرا في دمائه يسري فيه كما يسري النبض في العروق وجزءا من هويته التي لم يساوم عليها يوما .
في ريعان شبابه كان أحمد نموذجا للشاب الفلسطيني الذي يجمع بين الحلم والواقع بين العمل التطوعي وخدمة الناس وبين الغضب على الظلم والاصرار على تغييره شارك منذ نعومة اظافره في المبادرات الانسانية وكان اول الحاضرين في الاعمال التطوعية لا يفرق بين خدمة طفل او مساعدة شيخ او دعم اسرة منكوبة امتلك كاريزما طبيعية جعلته قريبا من الجميع محاطا بالمحبة والاحترام .
لكن رغم هذه القوة لم يكن أحمد كثير الشكوى بل كان يستقبل الحياة بابتسامة دائمة ... تلك الابتسامة كانت اشبه بتوقيعه الخاص يعرفه بها الجميع حتى في أحلك الظروف وأشدها قسوة .
ربما كان أهم ما ميز أحمد هو قلمه فقد كانت صفحته على فيسبوك بمثابة منبر حر وملاذ للتعبير عن معاناة الناس بلا مجاملة. لم يكتب أحمد من قاعة مكيفة او من مكان آمن بل كتب من قلب الخيمة في ظل الحرب بينما السماء تمطر قنابل والارض تهتز تحت وقع الانفجارات .
كان يقطع المسافات سيرا على الاقدام ليصل الى نقطة فيها شبكة انترنت كي يرسل كلماته للعالم وكأنها رسائل في زجاجة من شاطئ محاصر او صرخة من قلب الحصار .
كتب عن الجوع عن انعدام الامن عن طوابير الطحين التي تحولت الى ساحات اذلال عن الفصائل التي انشغلت بالمكاسب وتركت الشعب يركض وراء كسرة خبز .. كتب بجرأة حتى حين سماها البعض كلمات قاسية لكنها كانت الحقيقة كما يراها هو بلا تزييف ولا خوف .
ومن كلماته التي لا تنسى حديثه عن معاناة عائلات خزاعة الحدودية وحقهم في قطعة ارض او مخيم يعودون اليه وعن ضرورة ان تحتضن البلدة أبناءها بدل ان تتركهم في برد النزوح . لم يكن كلامه مجرد رأي بل كان موقفا اخلاقيا ونداء للمسؤولين ان يتحركوا .
كتب أحمد ايضا عن الوحدة الانسانية التي تتآكل وعن الصداقات الحقيقية التي أصبحت عملة نادرة وعن الناجين من الضربات القاتلة الذين يعيشون طوال حياتهم في خوف دائم من الضربة التالية . كان يرى بوضوح ان الحرب لا تقتل الاجساد فقط بل تسرق من الناس الشعور بالامان وتتركهم بارواح مثقلة بالانقاض .
لم يكن أحمد يكتفي بالكتابة بل كان حاضرا في الميدان يشارك الناس معاناتهم يساندهم في البحث عن قوت يومهم حتى وهو نفسه يعاني من الفقر وشح الموارد اقسم اكثر من مرة انه لم يستفد يوما من اي مؤسسة وانه ظل لأشهر يعتمد على شراء الطحين من الشوارع حتى عندما ارتفعت الاسعار وصار تأمينه مغامرة محفوفة بالمخاطر .
حكايته مع الطحين حين اعتدى عليه مسلحون وسرقوا اكياسه كانت مثالا على واقع الفلسطيني البسيط الذي يحارب من كل الجهات لكنه يعود في النهاية ليقول "صحة على قلب اولادي حسبنا الله ونعم الوكيل" .
انتهت حياة أحمد كما عاشها في مواجهة الخطر وفي قلب الميدان أصيب في إحدى جولات التصعيد لكنه تعافى ليعود ويكمل طريقه قبل أن ينال منه رصاص الاحتلال في خان يونس. رحل أحمد لكن صوته لم يرحل وكلماته ما زالت تتداول بين الناس شاهدة على زمن الحرب وعلى ضمير رجل لم يتبدل .
في رحيل أحمد لا يمكن الا ان نذكر والده المناضل وليد قديح ونعزيه تعزية كلها تقدير والذي ربى إبنه على الصدق والشرف وعلى ان الحياة لا تستحق ان تعاش الا بكرامة كما نذكر جده جبر قديح الذي حمل راية النضال قبل عقود وغرس في أحفاده حب الارض والوطن .
أحمد ليس مجرد شهيد من الشهداء بل هو امتداد لعائلة عرفت ان الوطن لا يحفظ بالكلام بل بالفعل وان العطاء لا يقاس بالمدة بل بالأثر الذي يتركه في النفوس.
رحل أحمد اسيرا وجريحا وشهيدا لكن ارثه باق ارث الكلمة الصادقة والموقف الشجاع والابتسامة التي قاومت الحرب والخطى التي لم تتوقف عن السعي نحو الحق . سيظل اسمه حاضرا في ذاكرة خزاعة وفي قلوب من قرأوا كلماته وشهدوا مواقفه وسيبقى صوته تذكرة بان هناك دائما من اختار ان يقف في صف المظلومين حتى وان كان الثمن حياته .



