الكاتبة : الدكتورة سناء شحادة
في زحمة الحياة الحديثة، وفي ظل تطور مذهل للتكنولوجيا، لم يعد من الغريب أن تجد عائلةً تجلس في غرفة واحدة، لكن كل فردٍ فيها غارق في عالمه الرقمي، لا يعرف ما يدور حوله.
لقد دخلت التكنولوجيا بيوتنا كضيفة أنيقة، لكنها ما لبثت أن احتلت المساحات الأكثر حميمية، فصار التواصل عبر الشاشة أكثر من الحديث المباشر، وغابت لغة العيون خلف وهج الإضاءة الزرقاء.
التكنولوجيا تهدّم دون ضجيج ..
في كل بيتٍ حكاية. زوجة تشتكي من غياب زوجها العاطفي، رغم حضوره الجسدي، وزوج يتذمر من انشغال زوجته بمواقع التواصل أكثر من انشغالها بعائلتها. أطفال تتربى على يد “اليوتيوب” بدل حضن الأم، ومراهقون يبحثون عن قدوة في “الترندات” بدل الأهل.
التكنولوجيا لم تعد وسيلة فقط، بل أصبحت بديلاً للعلاقات الإنسانية، وقناة للهروب من الواقع، وأحيانًا… سلاحًا ناعماً يهدم مؤسسة الأسرة دون أن يشعر بها أحد.
آثار صامتة… لكنها مدمّرة
•فقدان الحوار الحقيقي داخل البيت.
•ازدياد حالات الطلاق العاطفي وانهيار الثقة بين الزوجين.
•إدمان الأطفال على الأجهزة، وتأخرهم لغويًا وسلوكيًا.
•تشتت الأدوار الأسرية، وفقدان الشعور بالانتماء.
•المقارنات السامة مع حياة الآخرين عبر “السوشال ميديا”، ما يخلق شعورًا دائمًا بعدم الرضا والقلق.
التكنولوجيا ليست العدو… بل الاستخدام غير الواعي لها ..
لسنا ضد التقدم. ولسنا دعاة للرجوع إلى الوراء. لكننا نرفع صوتنا لنقول: الأسرة أولاً.
حين تغيب الضوابط، وتتراجع القيم أمام الإغراء الرقمي، تصبح التكنولوجيا سيفًا موجهًا نحو القلوب التي كانت تنبض دفئًا، وصارت اليوم مجمدة في سباق إلكتروني لا يرحم.
حان الوقت لنستيقظ …
فلنُعد للأسرة مكانتها، وللأم دورها، وللأب حضوره، وللطفل حقه في حوار، واحتضان، ومشاركة.
فلنضع قوانين بسيطة:
•ساعة يوميًا بلا أجهزة.
•وجبة طعام تجمعنا بالكلام لا بالصمت.
•حكاية قبل النوم بدل فيديو بلا معنى.
•لقاء أسبوعي للعائلة بعيدًا عن كل شاشة.
قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة، لكنها تُحدث فرقًا كبيرًا. فالأسرة التي تفقد لحظاتها الصغيرة، تخسر حياتها كلها.
في زمن التكنولوجيا… نحتاج إلى إنسانية أكثر من أي وقت مضى. فلنحافظ على دفء بيوتنا، قبل أن تبرد القلوب في زحام الأجهزة.
* اخصائيه ومرشدة نفسية وتربوية /جامعه القدس المفتوحة



