الكاتبة : د . سناء شحادة
بين الحب والألم … مسافة اسمها “التجاهل”
في مدننا المزدحمة بالقهر والصبر، وفي بيوتٍ تنهكها الأعباء اليومية، لا يُسمع صوت الحب كما يجب. يعلو عليه ضجيج الالتزامات، الغضب المكبوت، الخيبات الصغيرة، وأحيانًا… الصمت القاتل.
تتسلل الأزمات إلى قلب العلاقة الزوجية دون استئذان، تبدأ بخلافات حول الوقت، المال، أو تربية الأبناء، وتتطور لتصبح فجوة نفسية، تتسع كلما تأخر الشريكان عن طلب النجدة. وهنا يبرز السؤال:
من ينقذ الزواج حين يصبح هشًّا؟
الإرشاد الزواجي… علم يُنقذ القلوب لا العلاقات فقط
الإرشاد الزواجي ليس “محاولة أخيرة قبل الطلاق”، بل هو علم إنساني عميق، يمنح الأزواج أدوات الفهم والتواصل والحماية العاطفية.
هو مساحة آمنة للبوح، يتيح للزوجين اكتشاف أنماط التفاعل السام، وتعلّم استراتيجيات التفاهم، وضبط الغضب، وتوزيع الأدوار، وبناء الاحترام المتبادل.
في ثقافتنا، يُنظر أحيانًا لمن يطلب المساعدة وكأنه ضعيف، بينما الحقيقة أن الشجاعة تبدأ من الاعتراف أننا نحتاج من يرشدنا في المنعطفات الحادة للحياة.
في فلسطين… الزواج معركة صمود ..
يعيش الفلسطينيون تحت ضغطٍ مركّب: احتلال، تهجير، فقر، بطالة، وسجون.
هذه الضغوط تُغذي القلق، وتؤثر في الصحة النفسية، وتلقي بظلالها على الأسرة.
المرأة التي تنتظر زوجها من الأسر، والرجل الذي فقد مصدر رزقه، والأم التي تحمل مسؤولية تربوية مضاعفة في غياب الدعم، كلهم يواجهون أزمات أسرية متفاقمة.
والسؤال المؤلم هنا:
هل تُعالج هذه الأزمات داخل البيت… أم تنفجر يومًا ما؟
من قلب التجربة… صرخة حب لا تستسلم ..
روت لنا رنا (اسم مستعار) من مخيم شعفاط قصتها قائلة:
“كنتُ على وشك الانفصال بعد خمس سنوات من الزواج. كل شيء بيننا أصبح صراعًا. إلى أن ذهبت بدعوة من صديقتي لجلسة إرشاد أسرية.
هناك سمعت لأول مرة أنني لست وحدي. تعلمت كيف أعبّر عن غضبي دون إيذاء، وكيف أسمع زوجي دون الدفاع عن نفسي. بعد ثلاث جلسات فقط، تغيّر كل شيء.
لم يكن الحل سحريًا، لكنه أعاد الأمل إلينا.”
قصص مثل هذه يجب أن تُروى… لأنها قد تُنقذ غيرها.
الوصمة… الجدار الصامت بيننا وبين الحل
ما زالت الوصمة الاجتماعية تحول بين الأزواج وبين طلب المساعدة.
كثيرون يخشون أن يُقال عنهم: “راحوا عند أخصائي!”
لكن، من قال إن البيوت السعيدة لا تحتاج صيانة؟
تمامًا كالجسد، تحتاج العلاقات للفحص، والتشخيص، والعلاج.
وقد تكون جلسة واحدة كفيلة بتغيير مسار حياة بأكملها.
خطوات نحو أُسر أقوى:
1.دمج الإرشاد الزواجي في المدارس والجامعات والمراكز المجتمعية.
2.توفير مراكز إرشاد مجانية أو مدعومة في كل مدينة وقرية.
3.إطلاق حملات توعية لكسر الوصمة وتشجيع ثقافة الاستشارة.
4.تدريب مرشدين مؤهلين على فهم خصوصية الأسرة الفلسطينية.
5.إدراج فقرات أسرية وإرشادية في وسائل الإعلام المحلية.
?️ دعوة للحياة… لا للخوف ..
حين يتعثر الحب، لا داعي للخجل… فالعلاقات تُشفى.
ما بين لحظة الألم وقرار النجاة، هناك فرصة للتغيير، شرط أن نمتلك الجرأة للسعي إليه.
لنحمي بيوتنا لا بالصبر وحده، بل بالعلم، والمساعدة، والشجاعة.
الحب لا يكفي ليستمر… لكنه يستحق أن نحاربه لينجو.
? أسئلة مفتوحة لك عزيزي القارئ :
•هل نملك الثقافة النفسية الكافية لحماية علاقاتنا؟
•متى كانت آخر مرة تحدثت فيها مع شريكك بصدق… لا بتهديد أو لوم؟
•لو أتيح لك دعم نفسي مجاني اليوم… هل ستستخدمه ?
* أخصائية إرشاد نفسي وأسري
* كفر عقب – القدس



