الكاتب : الشاعر احمد دخيل
في شوارعٍ كانت تحفظ العصافير طريقها إلى النوافذ،
يمشي المستشار الدكتور غانم محمد العطار،
بنظارته المهشّمة، وخطاه المرهقة،
يُطارد صهاريجَ الماء، كما يطارد الدراويش ظلَّ المآذن في مدن العذاب.
هذا الذي كان يدرس القانون الدستوري الدولي في قاعات جامعة دمشق،
صار الآن شاهداً مائياً على صمت العالم،
يرفع عِلمهُ عن الطين، ويقرأ على المارة فتوى البقاء،
بين نقطة ماءٍ، وقطعة خبزٍ، وشربة كرامة تُقصف كل فجر.
أي قهرٍ هذا الذي يجعل رجال العلم يلهثون حفاةً خلف "صنبورٍ مرتحل"؟
أي شريعةٍ تنصّ على قهر المفكرين،
و اهمال علماء الأمة يبيتون على أرصفة القهر،
ينقشونَ على الرمل بأظافرهم:
"هنا وطنٌ... مرّ من هنا، ثم تعثّر."
في بيت لاهيا،
حيث الجدران تحفظ أسماء الشهداء،
وحيث الشجر يكتب شعره بالصبر،
يتنقل المستشار غانم بين زوايا الصمت،
يداعب الأطفال الذين يعرفون اسمه لا من كتب القانون،
بل من طوابير الإغاثة، ومن الظلّ النائم جانب جدران المدارس.
هل يُعقل أن يُهان الفكر في وطنٍ كُتب عليه أن يموت كل يوم؟
هل يعقل أن تصير الدكتوراه في القانون الدولي وثيقةً يُلفّ بها الجوع في زمن القذائف؟
كم من غانمٍ صار عاشقاً لفنجانٍ ساخنٍ في خيمة بلا انفجار،
يحكي فيه للعابرين كيف يُشرّع الموت في قاعات الأمم،
وكيف تُفرغ العدالة من عدالتها حين يتعلّق الأمر بغزة.
يا بشر الكوكب:
يا من تحفظون صيغ القوانين كنصوصٍ جافة،
أجيبوا هذا الشيخ الذي لم يعد يملك سوى أوعية المياه الفارغة،
أجيبوه حين يسألكم:
"أين يكون العقل نفسه حين ينام الضمير؟"
في غزة، الكتب تحترق قبل الطفولة،
والأحلام تُدرّس في الخفاء،
والمستشارون يكتبون على الجدران بيانهم الأخير:
"كنا رجال فكر، فصارت اللغة خبزًا، والحق آهةً، والماء مطاردتنا اليومية."
غزة الآن ليست جغرافيا،
بل امتحانٌ روحيٌّ للأمم،
وفي زوايا هذا الامتحان،
يقف غانم العطار، شيخٌ على حافة اليقين،
مستبدلا أروقة الجامعات بزقاقٍ ضيقٍ،
و يتلو على صدى القصف :
"اللهم اجعل من عقولنا مظلّةً، ومن صبرنا نجاةً، ومن دموعنا ماءً صالحًا للحق."
فلا تستفسروا بعد اليوم :
"كيف يُذَلّ الرجال؟"
بل اسألوا:
"كيف صمدوا كل هذا الوقت...
إلى أن ينتهي المفاوض من الوقت كله"
* شاعر و صحفي فلسطيني لاجىء في سوريا... أمين سر منتدى محمود درويش الثقافي في مخيم جرمانا



