الكاتب : عيسى قراقع
فرانشيسكا…
ليست ريحًا مرّت، بل صوتُ جبلٍ تحرّك من صدرِ الصمت.
قالت ما لم يجرؤ ظلٌّ أن يقوله،
ووقفت — لا كرمحٍ، بل ككلمةٍ مستقيمة لا تنحني.
في وجوه الطغاة لم تلمع سكين،
بل انعكس فيها وجهُ الضحية،
فاحترق الزيفُ وانكشفت العُري.
أيّ امرأةٍ هذه التي لا تتلكأ خلفَ الدبلوماسية،
بل تخطو داخل الكلمات كمن يمشي على حافة الحقيقة؟
دمُ الأطفالِ في عينيها بيان،
وغبارُ البيوتِ المهدومةِ في نبرتها وجعٌ لا يُساوَم.
هي ليست من هنا… لكنها من هناك —
من الضمير حين يُقيم وطناً.
من المحبرةِ حين تختلط بالملحِ والدمع.
من العدالةِ حين تفقدُ نومها وتصحو في لسان امرأة.
يا فرانشيسكا،
ليس غريباً أن يحاصروكِ بالتشويه،
فالمرآةُ التي تُظهر القبحَ تُكسَر.
لكننا نراكِ —
نراكِ كأنكِ الحبرُ الأخيرُ في كتاب الإنصاف.
لم تكن من التراب الذي تنزفُه الأرض،
لكنها عرفته، كما يُعرف الجرحُ من احتكّ به الملح.
وقفتْ هناك —
لا تحتمي بظلّ سفارة،
ولا تتكئُ على لغةٍ مُعقّمة،
بل نطقت: "هذا ظلمٌ"،
فارتبكَ الذين تعوّدوا أن يسمعوا الصمت.
هي امرأةٌ لا تشبه الضجيج،
بل تشبه السكونَ الذي يسبقُ العاصفة،
حين تهمسُ الحقيقة، فيرتجفُ الباطل من وقعها.
لم تصرخ،
لكن كلماتها وقعتْ كالأجراس في مقبرة.
جعلت للضحايا صوتًا،
وللموتِ ذاكرةً لا تُنسى في التقارير.
فرانشيسكا،
جاءت من خريطةٍ لا تشبهنا،
لكنها سكنت وجعنا كأنها من لحمِ البيوت المهدّمة،
ومن دمعِ الأمهات الممنوعِ من البكاء.
لم تحمل سلاحًا،
لكنها جرّدت الكذبَ من بزّته الأنيقة.
لم تُهادن،
بل مشت على الحافة، وقالت: "هنا يقف الإنسان، أو يسقط".
والذين لا يريدون مرآةً تكشف القبح،
اتهموها بالمبالغة… بالخيانة… بالتحريض،
لكنها لم ترد.
لأن من يعرف الحقيقة، لا يجادل الوهم.



