الكاتب : د . بسام سعيد
الحرب كما عهدناها فى دراستنا وواقعنا ليست فقط صراعًا بين متحاربين ، ولا مجرد دخانٍ ونارٍ ، الحرب، حين تداهمك وتسكن المدن، تُحوّل حياة الناس إلى تفاصيل منهكة لا تُرى في نشرات الأخبار. هناك، في الزوايا المعتمة، تتسلّل المعاناة اليومية كضوء خافتٍ في آخر النفق، لا يُبصره إلا من عايشه.
منذ أن انطلقت الحرب، تغيّرت الجغرافيا ، وتغير الواقع . لم تعد الطرق هي الطرق، ولا البيوت بيوتًا. مريض يحتاج غسيل كلى ينتظر دورة فى مستشفى بائس ، أو أب يبحث عن بامبرز لأمه المقعدة ، معجزة لا تأتي. أمٌّ تقف في طابور طويل لأجل كيس طحين، لا تدري إن كانت ستعود به أم لا ، طفل ينتظر دوره ليعود لأهله بما تيسر من ماء ، تنقلب الحياة إلى سباقٍ يائس نحو الأساسيات: ماء، خبز، دواء، مأوى.
أما التنقل، فصار ترفًا. من يود الخروج لزيارة قريب، أو جلب دواء، عليه أن يبحث عن اى وسيلة نقل لا يهم ، محظوظ لو وجدت عربة كارو يجرها حمار او توكتوك ، أو سيرا على الأقدام ، الطرق لم تعد كما كانت ، والرعب يحيط بك من كل ناحية . الزمن يتكسّر، تتحوّل الساعة إلى يوم، واليوم إلى عبءٍ ثقيلٍ على روح أنهكتها الحاجة والخوف.
الغلاء الفاحش زاد الطين بلّة، وجشع التجارالاشرار لايطاق . الأسعار ترتفع، والدخل معدوم، و"الاكتفاء" بات ذكرى.كيلو الطحين أصبح يشترى بالأمل وربطة الخبز أصبحت حلما ،وحبة بندورة تُقاس بالشواقل ، وكيلو أرز يُشترى على أقساط ، والسيولة النقدية معدومة، وإن حصلت عليها سيشاركك من تتعامل معه فى نصف راتبك ، والبنوك أصبحت فى خبر كان ! والمفارقة الموجعة أن الخلافات لم تعد على الكماليات، بل على الأساسيات: قطعة خبز، كابونه او سلة غذائية ، بطانية واحدة، او خيمة ، أو غرفة فيها نافذة واحدة ، او على احقيتي فى تعبئة أنبوبة غاز انتظرها بشوق !
داخل البيوت، تتكسر العلاقات تحت ضغط الحاجة.بفعل ضغط المكان المتاح ، تبدأ الخلافات الصغيرة، ويكبر الظل، حتى بين الأشقاء. الحرب تُجفّف الصبر، وتُفرّغ الروح من احتمال الآخر. كل فرد يبحث عن مخرج فردي، والكل يسير فوق الجمر.
ما الذي يحدث للمجتمع تحت الحرب؟
يمكن القول ومن منظورٍ سوسيولوجي، ومتابعة للواقع المعاش ، الحرب تُفكّك النسيج الاجتماعي، وتظهر الناس أسوأ ماعندها فى التعامل والعلاقات ، وتعيد صياغة العلاقات على أساس الندرة والخوف. تتراجع القيم الجماعية لصالح البقاء والخلاص الفردي. الثقة تنهار، والروابط العائلية تتصدع. يُستبدل التكافل بالصراع، تنتشر السرقة ، وينحسر الإيثار لتحل محله الأنانية المقنّعة بالحاجة ، انا امتلك وجاري لا يهم ان امتلك قوت يومه ( كابونة ، كيس طحين ، أنبوبة غاز ) !
يتحوّل المجتمع من مجتمع تكامليّ إلى مجتمع نجاتيّ (Survivalist Society)، حيث يُقاس الإنسان بما يملك لا بما يمنح، ويُقاس الخلاص بالفرار لا بالبناء.لكن، وسط كل هذا، لا يزال وانصافا للواقع ورغم عتمته يمكن القول أن هناك ضوءا خافتا ينبض في الزوايا مثل : مبادرة شبابية توزع الطعام، معلمة تُدرّس الأطفال في خيمة او مركز تعليمي متواضع ، جار يقاسم جاره الدواء. إنها إشارات على أن البذور لا تزال حية تحت الرماد.
تأسيسا لما سبق يطرح سؤال مهم : كيف نخرج من هذا النفق ونعيد للمجتمع التوازن ؟
رغم كل هذا السواد، لا يزال هناك أمل. فالخروج من هذا الواقع يبدأ بإعادة ترميم المعنى الجمعي، وتفعيل أدوات التماسك الاجتماعي و وبناء على ذلك يمكن صياغة بعض المقترحات:
1. بناء شبكات دعم مجتمعي من خلال تنظيم مبادرات محلية تُعزز التضامن، مثل مطابخ جماعية( التكايا )، ومراكز دعم للأسر المحتاجة، وتبادل للسلع دون مال.
2. تعزيز دور المجتمع المدني: دعم مؤسسات المجتمع المدني لتعمل كوسيط بين الأفراد ومن يملك القرار ، وتوفّير خدمات صحية واجتماعية طارئة.
3. إعادة بناء الثقة: عبر مبادرات حوار مجتمعية، ومصالحة داخل الأسر، وتمكين الشباب ليكونوا جسورًا بين الأجيال.
4. إشراك الشباب ورجال الاصلاح والمخاتير ، والمثقفين ورجال الإعلام في صنع القرار: بما يمثلون من خبرة وحكمة يجب أن تُصغى لها. لان إشراكهم يُعزز شعورهم بالكرامة والانتماء.
5. ترميم التعليم والقيم: حتى في أحلك الظروف، يجب أن تبقى المدارس والمراكز التعليمية تعمل، وإن عن بعد، للحفاظ على الأمل وبناء وعي جماعي يحمي من الجهل والتخلف .
وختاما نقول أن الحرب تأكل كل شيء، لكن الروح البشرية حين تتكاتف، قادرة على زرع حياة في أطلال الخراب. السوسيولوجيا لا تُفسّر الحرب فقط، بل تُشير إلى سُبل تجاوزها. نحتاج إلى بعضنا، أكثر من أي وقت مضى. ففي زمن الحرب، تصبح الإنسانية هي السلاح الأخير، والأمل هو الشمعة او البوصلة التي لا يجب أن نفقدها فى وسط الظلام وصولا الى السلام والعدل المنشود الذي يطمح اليه شعبنا .
* أكاديمي وباحث فى شئون المجتمع والأسرة



