الكاتب : د. بسام حسن سعيد
يسألني الكثير ممن يقابلونني: لماذا تغيرنا في هذه الحرب؟ ولماذا أصبحنا بهذا القبح ؟! ألم يهذبنا الدين، والمدارس، والتعليم، والجامعات، وحفظة
القرآن؟ فمن أين جاء هؤلاء الذين لا يشبهوننا، والذين لا يبحثون إلا عن إشباع أنانيتهم؟!
ففي الحرب، تتكشّف وجوه البشر كما لم تُكشف من قبل، وتذوب الأقنعة في لهب الحاجة. ويسقط التهذيب أمام أول صرخة جوع، وتُدفن القيم تحت ركام الخوف.
ويتحوّل الجار إلى غريب، والتاجر إلى ذئب يستمتع بمعاناة ضحاياه، وتُستبدل يد العون بكفٍّ قابضة لا تعرف إلا الأخذ.
ليس لأن الناس فُطِروا على الشر، بل لأنهم حين تتزلزل الأرض تحت أقدامهم، تتراجع فضائلهم أمام غريزة البقاء.
وحين يصبح الغد مجهولًا، ينسى الكثيرون معنى المشاركة، ويُغلقون قلوبهم على فكرة واحدة: "أنجو أنا... وليهلك العالم".
هكذا، لا تُبدّد الحرب فقط المدن، بل تبدّد الطمأنينة في النفوس، وتُخرج من الإنسان وجهه الآخر... وجه القلق والتوحّش.
ولو ذهبنا إلى التفسير الاجتماعي والنفسي لكل ما سبق، يمكن القول إن سلوك الناس يتغير في الحروب نتيجة ضغوط نفسية واجتماعية هائلة.
نفسيًا:
يسود الخوف من الفقد، والجوع، والموت، مما يفعّل لدى الإنسان غريزة البقاء (Survival Instinct)، وهي غريزة تدفعه أحيانًا إلى تصرفات أنانية وعدوانية، كالجشع أو السرقة أو الكذب، أو حتى القتل، في ظل تراجع المعايير والقيم.
اجتماعيًا:
تنهار شبكات الضبط المجتمعي (مثل القانون، والنظام، والرقابة الاجتماعية، وتتراجع سلطة الأسرة)، فيغيب الرادع، وتظهر السلوكيات الكامنة التي كانت مقموعة في الظروف العادية.
كما تؤدي الندرة (في الغذاء، والأمان، والموارد) إلى التنافس الشرس، فيتحوّل التعاون إلى صراع.
ومثال ذلك: اعتماد الربا في المعاملات بطريقة غير مسبوقة، أو حتى بدون وخز ضمير!!
ورغم أن الكوارث قد توحّد الشعوب أحيانًا، كما يقول علماء الاجتماع، إلا أن طول أمد الحرب، وشدة المعاناة، يجهدان القيم ويُرهقان الضمير.
الناس لا يتغيّرون جذريًا بل تُبرز الشدائد وجوههم المختلفة... وهناك من تظهر أسوأ ما لديه.



