الكاتب : إياد أبو روك
منذ شهر اجتاحتني موجة من الحماسة والغضب والحيرة وانا قابع في بلاد المهجر كنت أتابع ما يحدث في غزة لحظة بلحظة كما يتابع الأب حريقاً يلتهم بيت أولاده وهو عاجز عن إنقاذهم. رأيت المجازر تبث على الهواء ورأيت كيف أصبح الموت في غزة خبرا روتينياً لا يثير في ضمير العالم سوى التثاؤب أو التبرير. رأيت طفلا ينتشل من بين الأنقاض يحمل كأنه لم يكن منذ ساعات سوى دمية ورأيت صمتا عربياً خجولا وصمتا فلسطينيا داخلياً أكثر مرارة واخدني هذا الشعور الى خيبه امل سيطرت علي كامل عقلي وكأن اهل غزة يدافعون عن امه بأكملها لأتحرك ساكن..
في لحظة حماسة وغليان داخلي، أمسكت القلم وكتبت مقالا نقديا لاذعا حملت فيه حركة "حماس" جزءا كبيرا من مسؤولية ما وصلنا إليه. لم أكتب من كراهية أو شماتة بل من وجع حقيقي. كنت أظن أن الكتابة من الغضب تعني الصدق لكنني أدركت متأخرا أن الغضب أحيانا يشوه البوصلة ويقود إلى إطلاق النار في الاتجاه الخطأ .
أرسلت المقال إلى صديقي العزيز رئيس تحرير صحيفة "واثق نيوز". الأستاذ واصل الخطيب. قرأه بصمت ثم تجاهله بلطف. لم ينشره. لم يعلق. لم يهاجمني. اكتفى بأن يحميني من نفسي. واليوم فقط، فهمت حكمته .
حين تحدثت إليه لاحقاً، سألته بكل هدوء: لماذا لم تنشره؟ فأجابني بابتسامة فيها رصانة الكبار لأننا نباد يا إياد ولا وقت لدينا لتصفية الحسابات الداخلية. لا العدو يفرق بين مدني ومقاوم ولا القنابل تقرأ مقالات النقد الذاتي.
الآن وقت التلاحم لا الانقسام ......
كانت كلماته كصفعة أنقذتني من وهم الحماسة اللحظية. أدركت أنني أخطأت التوقيت وأخطأت العنوان وأخطأت في الظن بأن النقد ـ مهما كان وجيها ـ يسمع وسط أصوات الانفجارات.
إن ما يحدث في غزة الآن هو إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى وهو لحظة تاريخية حرجة لا تتحمل ترف الفرقة. نعم، قد نختلف مع حماس أو غيرها قد نعارض سياسات وقد نلوم قيادات لكن ليس في لحظة القصف وليس ونحن نحمل ذات النعش وندفن ذات الطفل ونتقاسم ذات الخبز المغمس بالتراب والدم.
لقد مرت علينا في تاريخنا لحظات مشابهة كانت لحظات مصيرية وكانت الفصائل الفلسطينية حينها أكثر تباعداً وتنازعاً لكن العدو كان يوحدهم رغماً عنهم. في بيروت عام 1982 لم يسأل القصف أحداً عن انتمائه ولم يطلب بطاقة حزبية. وفي جنين عام 2002 لم يكن هناك وقت للفصائل أن تتجادل حول الأولويات. كانت المقاومة، فقط المقاومة هي العنوان.
ومن يظن أن هذا الخطاب دعوة لتقديس الفصائل أو تبرير أخطائها فهو لم يفهم بعد حجم الكارثة. نحن لا نقدس أحدا بل نحمل الجميع مسؤولية وطنية مضاعفة لكننا نقول: النقد الحقيقي هو الذي يبني لا الذي يهدم. هو الذي يصوب لا الذي يشهر. هو الذي ينقذ السفينة لا الذي يثقبها بحجة تصحيح المسار .
بل إنني أزعم أن أشد لحظاتنا الوطنية فشلاً كانت تلك التي غرقنا فيها في النقد الذاتي اللاذع وسط الخطر حيث تحول بعضنا من جنود على الجبهة إلى قضاة في صالة الانتظار يوزعون الأحكام على من يقاتلون في الميدان .
نعم نحن بحاجة إلى إصلاح إلى مراجعة داخلية إلى مساءلة إلى ميثاق وطني جديد لكن كل ذلك يبدأ بعد أن ننجو من توحش المنظومة الصهيونية التي تبيد أطفالنا بدم بارد ونحن لم نملك قوت يومنا..
لا تبنى الأوطان تحت القصف بل تحمى. النقد والتجريح في أبناء وطننا في ظل هذه الأوقات المؤلمة بلا سياق وطني متماسك هو خدمة مجانية للعدو مهما كانت نوايا الكاتب او المعلق علي وسائل التواصل الاجتماعي نابعه من غيرة وحسن النية او الانفعال لما يحدث في غزة.
ولعل واحدة من أبرز ملامح الأزمة الفلسطينية المعاصرة هي أننا نتصرف كأننا في دولة مستقرة نمارس فيها التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة بينما الحقيقة أننا نخوض معركة بقاء ولسنا إلا هدفا في مرمى نار أبشع وأقدر قوة صهيونيه لا تميز وليس لديها أي ضمير انساني. ان هذا الحديث لا يعني إلغاء التعدد أو قمع الرأي لكن يعني أن الوعي باللحظة التاريخية أهم من التعبير العشوائي أو النقد الجارح.
في كل مرحلة حرجة من مراحل نضال الشعوب كانت هناك نداءات تقول: دعونا نؤجل معاركنا الداخلية حتى نكمل معركتنا الكبرى. أما نحن فللأسف كثيراً ما نبدأ بالعكس...
إلى الشباب الغاضب الحالم الثائر الذي ينظر بعين النقد لما يجري أقول:
غضبكم مفهوم، ونقدكم قد يكون محقاً لكن فقط تذكروا أن الوقت الآن ليس وقت الجراح المفتوحة بل وقت نكون فيه سنداً لبعض لا عبئاً على بعضنا البعض.
واحقاقا للحق ولعل خلاصة ما خرجت به من تلك التجربة التي كدت أن أندم عليها طويلا: أن الحماسة جميلة لكنها إن لم تكن مصحوبة بالحكمة قد تسهم دون أن تدري في تفكيك ما تبقى من جسد مقاوم منهك لذلك دعونا نتمسك بإنسانيتنا وتدكروا جيدا أيها الفلسطينيون : حين تعلو أصوات القنابل لا يجب أن يعلو صوت الخلاف… ففي زمن الإبادة الصمت عن بعض العيوب حكمة والوحدة أعظم من أي صواب مؤجل .



