الكاتب : خالد رمزي عفانة
قبل أيام قالها ماكرون رئيس فرنسا الحرة:” لا يمكن لنا ان نعيش في عالم تمتلك فيه إيران القنبلة النووية"، وهو نفسه الذي يضع على عاتقه وأوروبا كاملة معه مسألة الدفاع عن إسرائيل بغض النظر عن الإبادة الجماعية وحرب الغطرسة والنازية ضد الشعب المحتل الأعزل في فلسطين عامة وغزة على وجه التحديد، وهم ما يطلقون على أنفسهم وأمريكا معهم والنازيين الجدد في هذا العالم بالعالم الحر، نعم العالم الحر والعالم المتطور، الاسم الجديد للغطرسة والنازية الحديثة.
فأوروبا هي مثال وأصل النفاق فهي تتحدث عن أمور وافعال تنهى عنها وهي ذات الأفعال التي بنت بها دولها وما تزال تستخدمها حتى يومنا هذا، ولكن بطريقة ضمنية وخفية، فأروبا هي اول الدول التي قامت بتجارة العبيد بأخذ السكان الافريقيين الأقوياء أسرى على متن السفن الاسبانية لنقلهم الى جزر الهند الغربية لحملهم على العمل لإخراج الثروات من هذه الأراضي، وقاموا بجلب الافارقة بعد ما قاموا باستعباد السكان الأصليين لسنوات عديدة حتى ماتوا من شدة التعب تحت الاستعباد، ولم يعودوا نافعين للعمل، وهم ذاتهم اولى الدول التي بدأت منذ العام 1807 بمحاولات لإنهاء العبودية.
منذ ان قام كولومبوس باستكشاف الأمريكيتين بدأت الوحشية الأوروبية تنطلق من داخل أوروبا الى خارجها فبعد سنوات عديدة من الحروب داخل أوروبا دخلت هذه الاخيرة في العصر الحديث لترى نفسها مثالا على التطور الرقي وعلى انها هي السباقة على باقي الدول وبدأ الأوروبي يرى نفسه على انه هو العرق الاري وانه أفضل من باقي الشعوب، واستغلت هذا الذي تدعوه بالتطور لغزو باقي الشعوب وقتل أهلها واستعبادهم مبررة ذلك بأنها هي التي توجههم نحو التنوير والتطور.
قامت الدول الأوروبية باقتسام الدول الافريقية، فأخذت كل إمبراطورية منهم جزءا من افريقيا وقاموا باستعباد الشعوب الافريقية واجبارهم على العمل لاستخراج خيرات هذه الدول من النفط، المعادن، المطاط الخ، واخذت الدول ذات الاسطول البحري القوي مثل اسبانيا والبرتغال جزءا أكبر من السيطرة والاجرام بفضل كولومبوس، فبعد اكتشاف الامريكيتين قامت القوات الاسبانية بارتكاب المجازر بالسكان الأصليين من اجل الموارد في هذه البلاد.
تغيرت بعد ذلك النظرة الأوروبية للعبودية فأصبحت الدول الأوروبية من الدول الأولى في منع العبودية وإقرار العقوبات على مرتكبي هذا الفعل، ولكن هل هي حقا توقفت عن العبودية او وجدت طريقة أكثر "حضارية" لارتكاب هذا الفعل؟ ويقول في هذا الشأن جون بيركنز عن سياسة جديدة للاستعباد وهي عن طريق مثلث الكوربوقراطية (وهو كل من السلطة والمؤسسات النقدية الدولية والشركات متعددة الجنسيات)، ضمن هذا المثلث تم انشاء وسيلة استعباد جديدة، فيغزو ضمن هذا المثلث الدول الفقيرة وكما يسموهم بدول العالم الثالث على مشروعات التنمية ويدفعوها للاقتراض منهم ليبنوا لها هذه المشاريع، وبعد ذلك تصبح هذه الدول مدينة بكل ما تملك للدول الغنية التي أقرضتها، فهذا هو الاستعباد الحديث الذي استخدمته أوروبا وامريكا بعد توقفها عن الاستعباد التقليدي، وهذا الاستعباد لا يقل في وحشيته عن الاستعباد التقليدي فهو يجبر الدول الفقيرة حتى تسدد الديون التي عليها من هذه المشاريع، فيصبح المواطن العادي في هذه الدول يعمل طوال النهار بلا عائد يذكر ففي هذه الدول الأجور تكون متدنية لدرجة انها لا تكفي سوى لشراء الطعام واحيانا هي لا تكفي لذلك حتى، والشيء الذي يعمل المواطن العادي طوال النهار لاستخراجه او بنائه تذهب جميعها لهذه الدول الغنية فهي تزداد في غناها من معاناة هذه الدول الفقيرة،
وهذه الكوربوقراطية ما هي الا نتاج وثمرة التطور الرأسمالي، وكان كارل ماركس من المفكرين الذين رأوا بأن الرأسمالية تنطوي على نوع من العبودية الخفية، “العامل في المجتمع الرأسمالي حر قانونًا… لكنه في الحقيقة عبد… عليه أن يبيع قوته العملي لكي يعيش.” ، فأوروبا وجدت محل ضغط جديد على الأشخاص لاستعبادهم فانتقلوا من القوة الفعلية والاكراه الجسدي الى عبودية مغلفة بصورة رب العمل والعامل.
فالدول الأوروبية لم ولن تغير طريقتها هذه في العمل وفي استعباد الشعوب الفقيرة، ففي هذه الطريقة هي تبقي سيطرتها على هذه الدول مستعبدة إياها مغلفة هذا الاستعباد بغلاف التنوير والتطور، مع ان هذه الدول الفقيرة لو ترى الخيرات التي في بلادها وتستفيد منها هي لكانت هي الدول الغنية ولكانت هي الدول المتحضرة، فمقياس تحضر الدول ليس هو الا مقياس غناء الدولة، كلما كانت الدولة أكثر غنا كلما كانت اكثر تحضرا، هكذا يقاس التحضر في العالم الان فيغض النظر عن كل الجرائم والوحشية التي تفعلها الدول الأوروبية وشاكلتها تبقى هي الدول المتحضرة لأنها هي الدول الغنية، ولكن ما يمنع هذه الدول من العناء هي فساد قادتها الذين تضعهم الدول الغنية على رأس الهرم حتى تبقى مسيطرة على هذه الدول، وتزين استعباد هذه الشعوب بكذبة مساعدتهم على التطور لكي لا يثوروا على هذا الاستعباد وتبقى هي في صورة المتحضر.
أخيرا اكرر مقولة الخليفة العادل عمر بن الخطاب :" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا"، فمن أعطى الحق لأوروبا وأمريكا بتحديد من هو العالم الحر، ومن له حق البقاء ومن يجب القضاء عليه وقتله بحجة انه ضد العالم الحر، وكيف لنا ان نعيش في عالم تحمل به دول الغطرسة والنفوذ والنازية القنبلة النووية.



