الكاتب : أحمد عثمان جلاجل
في قلب مدينة القدس، حيث تختلط قدسية المكان بثقل التحديات السياسية والاجتماعية، تقف المرأة المقدسية شامخة، تؤدي أدواراً ريادية في الحفاظ على النسيج الاجتماعي ودعم مجتمعها، لم تمنعها الظروف القاسية ولا سياسات الاحتلال من أن تكون ركيزة أساسية في العمل الخيري والاجتماعي.
من خلال إدارتها للجمعيات الخيرية، تمارس دوراً محورياً في تمكين الفئات المهمشة وتعزيز صمود المجتمع المقدسي.
العمل الخيري في القدس ليس مجرد تقديم مساعدات مادية، بل هو فعل مقاومة هادئ ، يحافظ على الكرامة الإنسانية ويصون الهوية الوطنية، وفي هذا الميدان الصعب، تبرز المرأة المقدسية كقائدة وملهمة، تنسج شبكات الدعم رغم قلة الإمكانيات وكثرة العوائق.
*حضور قوي رغم التحديات ..
في مشهد القدس المعقد، حيث يفرض الاحتلال قيوداً على كل جوانب الحياة، تبرز المرأة المقدسية كقوة دافعة في ميدان العمل الخيري، كثيرات منهن يتولين إدارة الجمعيات الخيرية التي تلعب دوراً حيوياً في التخفيف من معاناة المجتمع المقدسي.
تعمل هؤلاء النساء وسط بيئة مليئة بالتحديات: حصار اقتصادي، قيود على حركة الأفراد والبضائع، إغلاق متكرر للمؤسسات، محاولات مستمرة لطمس الهوية الفلسطينية في المدينة.
ورغم ذلك، استطعن تحويل العمل الخيري إلى مساحة للمقاومة الاجتماعية والثقافية.
من خلال الجمعيات الخيرية، تقدم المرأة المقدسية الدعم لآلاف الأسر المحتاجة، وتدير برامج متنوعة تشمل:
* رعاية الأيتام.
* دعم الأسر الفقيرة.
* توفير خدمات طبية.
* توزيع الطرود الغذائية.
* دعم التعليم والمنح الدراسية.
* برامج تمكين المرأة والشباب.
الحضور القوي للمرأة المقدسية في هذا المجال يعكس مدى إيمانها بدورها الاجتماعي ومسؤوليتها تجاه مجتمعها، هي لا تكتفي بالمشاركة، بل تقود وتبتكر، وتبني شبكات دعم متينة قادرة على الصمود أمام محاولات التضييق والإفشال.
*ريادة وتمكين ..
لم تعد مشاركة المرأة المقدسية في العمل الخيري مجرد دور مساند، بل أصبحت ركيزة أساسية في قيادة هذا القطاع.
العديد من الجمعيات الخيرية في القدس اليوم تُدار بالكامل من قِبل نساء ذوات خبرة وكفاءة عالية، يجمعن بين الحس الإنساني والرؤية الإدارية الواعية.
تُظهر المرأة المقدسية قدرة لافتة على:
* التخطيط الاستراتيجي لمشاريع مستدامة.
* بناء شراكات محلية ودولية لتأمين التمويل والدعم الفني.
* التكيف مع القيود القانونية والإدارية التي يفرضها الاحتلال.
* ابتكار حلول خلاقة لمشاكل معقدة مثل البطالة والفقر.
نماذج كثيرة تؤكد هذا الحضور الريادي:
* جمعيات نسوية تُعنى بتمكين المرأة اقتصادياً من خلال التدريب المهني والمشاريع الصغيرة.
* مؤسسات تقدم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المتضررين من انتهاكات الاحتلال.
* جمعيات طبية تُدير حملات ميدانية رغم صعوبة الوصول إلى العديد من المناطق.
من خلال هذا العمل، لا تساهم المرأة المقدسية فقط في تحسين الظروف المعيشية للأفراد، بل تبني أيضاً حالة من الصمود المجتمعي، وتُعزز روح التكافل والتضامن بين أبناء المدينة.
التحديات والآمال ..
رغم النجاحات الكبيرة التي تحققها المرأة المقدسية في إدارة الجمعيات الخيرية، فإن الطريق مليء بالتحديات. تواجه هؤلاء النساء معوقات معقدة تتطلب صبراً وإبداعاً مستمرين.
التحديات:
* القيود الإسرائيلية: الاحتلال يفرض قيوداً مشددة على عمل الجمعيات الفلسطينية، من خلال التضييق القانوني، فرض تراخيص معقدة، إغلاق الحسابات المصرفية، واعتقال العاملين فيها.
* صعوبات التمويل: تعاني الجمعيات من شُحّ الموارد المالية بسبب القيود المفروضة على التحويلات البنكية، بالإضافة إلى تناقص الدعم الدولي في السنوات الأخيرة.
* الضغط الاجتماعي والسياسي: تتعرض النساء القياديات في هذا المجال لضغوط متعددة، سواء من الاحتلال أو حتى أحياناً من داخل المجتمع نفسه، الذي قد لا يسهّل دائماً مشاركة المرأة في مواقع القيادة.
الآمال والطموحات ..
* تعزيز التعاون: هناك حاجة ملحة لتعزيز التعاون بين الجمعيات الخيرية داخل القدس وخارجها، لبناء جبهة موحدة قادرة على مواجهة التحديات.
* تمكين أكبر للمرأة: من المهم توفير مساحات دعم وتمكين إضافية للنساء العاملات في هذا القطاع، سواء من خلال التدريب أو الدعم القانوني والنفسي.
* حشد الدعم الدولي: يجب الاستمرار في مناشدة المجتمع الدولي لتقديم الدعم المالي والسياسي للجمعيات الخيرية المقدسية، باعتبارها جزءاً من معركة الحفاظ على هوية القدس.
رغم كل هذه التحديات، تبقى المرأة المقدسية مُصممة على أداء دورها، مدفوعةً بروح المسؤولية والانتماء العميق لهذه المدينة المقدسة.
في مدينة القدس، حيث تتقاطع السياسة بالتاريخ، والمعاناة بالأمل، تقف المرأة المقدسية كرمز للصمود والإبداع، من خلال قيادتها للجمعيات الخيرية، لا تُقدّم خدمات اجتماعية فحسب، بل تُمارس شكلاً من أشكال المقاومة اليومية، حمايةً للنسيج الاجتماعي وللهوية الوطنية في وجه محاولات الطمس والتهويد.
دورها في هذا المجال يتجاوز الأدوار التقليدية؛ فهي اليوم قائدة، مبادرة، وشريكة فاعلة في صياغة مستقبل مجتمعها.
ورغم كثرة التحديات، فإنها تواصل العمل بإصرار، مدفوعة بإيمانها العميق بحق القدس في الحياة والكرامة.
من هنا، فإن دعم جهود المرأة المقدسية في العمل الخيري هو مسؤولية جماعية، إنه دعم لصمود المدينة نفسها، ولحقوق شعبها في أن يحيا حراً وكريماً على أرضه.
حين تعطي المرأة المقدسية... فإنها تمنح الوطن نفسه روحاً جديدة.
*صحفي مقدسي



