الكاتب : زكريا نمر
تُعاني مجتمعاتنا المعاصرة من إشكالية كبيرة تتمثل في وجود نوع مشوش من المثقفين، وليس في غيابهم. هؤلاء المثقفون لا يساهمون في الحياة العامة إلا بإحداث مزيد من الضجيج، ويقدمون فقط مساحات إضافية من الثرثرة المتكررة والعاجزة. يمكننا أن نطلق عليهم "المثقفين الثرثارين"، الذين يحتلون مواقع في المشهد الثقافي، لكنهم يفتقرون إلى الأدوات الحقيقية، والمشاريع المعرفية، والعمق الفكري الذي يُعتمد عليه.
المثقف الثرثار لا يقرأ بانتظام، ويكتب بشكل متقطع، وغالبًا ما تكون كتاباته تعليقات انفعالية لا تتجاوز الانطباعات الشخصية أو السخرية غير البناءة. لا يستطيع قراءة ثلاث صفحات متتالية من كتاب جاد، ولا كتابة فقرة متماسكة تحترم قواعد اللغة أو منطق الأفكار. ومع ذلك، تجده دائمًا في الصفوف الأمامية لكل نقاش، وعلى رأس كل منبر، يتحدث في مجالات الفلسفة، والسياسة، والدين، والتاريخ، والفن، بل وحتى في قضايا لم يتناولها بجدية أو تخصص من قبل.
هذا النوع من "المثقفين" لا يتعامل مع الثقافة كفعل نقدي أو وعي تاريخي أو تراكم معرفي، بل يعتبرها ساحة للاستعراض، حيث يبدو أن الهدف من الحديث هو الحديث نفسه، وليس تعزيز الوعي أو تحفيز العقول. نقده سطحي وغير منهجي، وغالبًا ما يكون هجوميًا ومشوهًا، يفتقر إلى الحس الحضاري، ويعتمد على تقليل شأن الآخرين بدلاً من مناقشتهم.
ما يزيد الطين بلة هو أن بعض المجتمعات بدأت تمنح هذا النوع من المثقف منصة، إما بدافع المجاملة، أو بسبب نقص البدائل، أو نتيجة لثقافة سريعة الاستهلاك تعيد إنتاج التفاهة على أنها ثقافة، وتمنح الضجيج لقب "رأي مثقف".
لقد تحول جزء من الحراك الثقافي إلى دائرة مغلقة من التعليقات السريعة والمقولات المكررة، مع انشغال مفرط بردود الفعل. المثقف الثرثار يتقن لغة الإدانة والتشكيك، لكنه يعجز عن تقديم اقتراح واضح أو مشروع قابل للتطبيق. وفي كثير من الأحيان، يصبح عائقًا أمام التغيير الحقيقي، حيث يفرغ الخطاب من مضمونه، ويشوه المفاهيم، وينشر الإحباط بدلاً من الأمل، ويعزز الجدل العقيم بدلاً من الحوار البناء.
في ظل هذا الواقع، يصبح من الضروري إعادة تعريف من هو المثقف: هل هو من يملأ الشاشات والمنصات بالحديث، أم من يملأ العقول بالأفكار؟ هل هو من يملك قدرة التلاعب بالألفاظ، أم من يملك شجاعة التفكير المستقل؟ المثقف الحقيقي ليس من يدعي امتلاك الإجابة عن كل شيء، بل من يدرك عمق الأسئلة ويكرس حياته لفهمها، من يصغي قبل أن يتكلم، ويقرأ قبل أن يحكم، ويكتب من أجل المعنى لا المجد الزائف.
المرحلة التي نعيشها اليوم لا تحتمل المزيد من الثرثرة المقنعة بلباس الثقافة. إنها مرحلة تستدعي مثقفا قارئا، باحثا، مبادرا، قادرا على الحفر في الواقع، والغوص في التاريخ، واستشراف المستقبل. مثقف لا تهزمه ضوضاء "اللايكات"، ولا تشتته المعارك الافتراضية. مثقف يعرف أن مسؤوليته الأولى ليست أن يصرخ، بل أن ينير.



