الكاتب: م.رائد مهنا
شكلت الحرب اختبارًا رهيبًا للجميع، وكان لها تأثير قاسٍ بشكل خاص على الأطفال وكبار السن. فقد أُجبر الأطفال المحرومون من طفولتهم على النضوج بسرعة وتحمل المسؤولية عن حياتهم وحياة أحبائهم. أما كبار السن الذين فقدوا أعزاءهم، فقد تُركوا وحيدين يواجهون الحزن والخوف.
أطفال الحرب هم جيل تعلّم منذ وقت مبكر قيمة الحياة. واجهوا الموت والجوع والدماء، وجمعوا بقايا الطعام من الزوايا، ونجا بعضهم من الإخلاء والقصف والاعتقال. تبدو الحرب من خلال أعينهم مأساوية، بلا رحمة.
أما الشيخوخة في زمن الحرب، فهي وقت الوحدة والعجز. تُرك كثير من كبار السن دون رعاية أو عناية، وحُرموا من فرص تلقي العلاج والغذاء. عاشوا تجربة فقدان الأبناء والأحفاد، وشهدوا تدمير منازلهم وأحيائهم. ومع ذلك، ساعدتهم حكمتهم وخبرتهم الحياتية على الصمود في هذه الظروف اللا إنسانية، وحافظوا على إيمانهم وثباتهم.
في خضم العنف، تجلت بطولة الناس الصامدين. تحولت المناطق إلى ساحات صراع عنيف، ومع ذلك ظهرت مجموعات من الأشخاص العاديين—معلمون، أطباء، مهندسون، وممرضون—كلهم خاطروا بحياتهم وواجهوا العدوان.
الحرب هي الموت المستمر. في كل يوم، يموت الناس تحت أنقاض المناطق السكنية ومخيمات النزوح، لكن حتى في ظل هذه الظروف، لم يفقد السكان رغبتهم في الحياة والنضال من أجل البقاء. لقد كان التعطش للحياة أقوى من الموت.
جلبت الحرب معها الدمار والموت، وتحولت المدن والأحياء السكنية إلى ركام، وقُتل الآلاف، وتفككت عائلات. لكن رغم هذا الدمار، لم يفقد الناس إيمانهم بالله. تجلت قوة الإنسان في أشكال عديدة: أعادوا بناء منازلهم، وواصلوا الدراسة والعمل، حتى وهم يُجبرون على الانتقال من مكان إلى آخر.
لقد كان إخلاء السكان من مناطق المواجهة إحدى الصفحات المأساوية في تاريخ فلسطين بعد نكبة 1948. أُجبر الناس على مغادرة منازلهم، والتخلي عن كل شيء، والتوجه نحو المجهول. كان طريق الهروب هو طريق الحياة—الناس يتنقلون في عربات مكتظة، وعلى الأقدام، تحت القصف والقذائف، يعانون من الجوع والبرد والمرض. ومات بعضهم في الطريق.
ورغم كل هذه الظروف اللاإنسانية، لم يفقد الناس الأمل.



