الكاتب : راسم أصلان
في ظل التحولات الكبرى التي فرضتها الثورة الرقمية، لم تعد المنصات الاجتماعية مجرد أدوات تواصل، بل تحوّلت إلى الساحة الأوسع لتشكيل الرأي العام وصناعة الانطباعات. وهنا، يُعاد تشكيل مفهوم السلطة والتأثير، فلم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا، بل أصبح فاعلًا رئيسًا في إنتاج المعنى، وفي رسم صورة القادة وصناعة سمعتهم.
في هذا المشهد المعقد، يظهر علم الاتصال كأداة أساسية لإدارة المواقف، وتوجيه التوجهات، وصياغة الرسائل، وبناء الهوية الرقمية والسمعة الرقمية، لا سيما بالنسبة للقادة السياسيين، الذين أصبح حضورهم الرقمي اليوم جزءًا لا يتجزأ من شرعيتهم السياسية.
من التفاعل إلى التأثير: الاتصال الاستراتيجي ضرورة سياسية واستعادةٌ للرواية ...
لم يعد بإمكان أي قائد سياسي أن يقف على هامش الفضاء الرقمي، فالجمهور يتابع، يُحلّل، يُقيّم، ويشارك، وما يُنشر من صور أو تصريحات أو مواقف لم يعد شأنًا خاصًا، بل يُبنى عليه توجهات الجهور والرأي العام، ويُتخذ على أساسه الموقف إن كان نقدًا إيجابيًا أو غير إيجابي.
وإن الاتصال الاستراتيجي لم يعد نشاطًا ملحقًا، بل ضرورة وجودية، وسلاحًا ناعمًا في معركة العالم الرقمي ومن أدواته الفاعلة، وأبرز استراتيجياته تتمثل في هندسة الجمهور، وبناء الهوية الرقمية، وإدارة السمعة الرقمية.
هندسة الجمهور: افهم مواقف الناس قبل أن تخاطبهم ...
تُعد هندسة الجمهور أداة اتصالية تهدف إلى فهم احتياجات الجمهور بعمق: من هم؟ ما الذي يؤثر عليهم؟ ما اللغة التي تلامسهم؟ فالقائد السياسي الذي يتقن هذه الاستراتيجية، لا يكون فقط صانعًا للخطاب، بل شريكًا في تشكيل وعي جمهوره، ويضمن أن تصل رسائله بالشكل الذي يحفّز التفاعل الإيجابي، ويعزز الثقة، ويؤثر في مواقف الناس واصطفافاهم.
الهوية الرقمية: مرآة القائد في الفضاء الرقمي ...
الهوية الرقمية لا تُبنى من كلمات فقط، بل من كل ما يصدر عن القائد أو يُنسب إليه من تصريحاته، وصوره، وطريقته في الرد والحوار، وحضوره في الفيديوهات، وطبيعة تفاعله مع الناس. وعليه، فإن بناء الهوية الرقمية يحتاج إلى وضوح الرسالة، واتساق الخطاب مع الأفعال، واستمرارية الظهور والحضور، والرد على التعليقات، وعدم الاكتفاء بالظهور الموسمي أو المرتبط بالأزمات فقط، فالهوية الرقمية القوية تُعزز الثقة، وتُعبّر عن المصداقية، وتُشكّل نقطة التقاء بين القائد وجمهوره.
السمعة الرقمية: رأس المال للقائد في زمن العالم الرقمي ....
السمعة الرقمية هي حصيلة تفاعل الجمهور مع هوية القائد الرقمية، وهي لا تُصنع داخل الغرف المغلقة، بل تبنيها انطباعات الناس، وصورتهم الذهنية من خلال تعليقاتهم، وردود أفعالهم، وسياق انتشار المحتوى. وهنا، تأتي أهمية الربط بين هندسة الجمهور وإدارة السمعة، بحيث تصبح إدارة السمعة الرقمية ممارسة استباقية لا ردود فعلية، تسعى إلى توجيه الخطاب، وبناء الانطباعات، وتعزيز الثقة واستدامتها، وتقليل فرص التشويه أو إساءة الفهم.
الاتصال الاستراتيجي ضرورة وطنية ...
لم تعد الحاجة إلى اتصال سياسي جديد مجرد مطلب فني، بل ضرورة وطنية ينتقل من خلالها الخطاب الموسمي إلى الاتصال المستدام، ومن البيانات الجافة إلى الرسائل الإنسانية، ومن الحسابات الرسمية إلى الصفحات الرسمية الموثقة التي تحمل الهوية الرقمية الحقيقية للقادة والمؤسسات.
ويعد بناء فرق اتصال محترفة، تعمل وفق استراتيجيات مدروسة، وتتقن أدوات التأثير الرقمي، خطوة نحو تجديد العلاقة بين القيادة والجمهور، وتعزيز العلاقة بينهما القائمة على الفهم والتواصل، لا على العزل أو التبرير.
وهنا، تحتاج القيادات السياسية إلى تبنّي منهجية اتصال حديثة، ترتكز على تحليل الجمهور أولوياته ورؤيته المستقبلية، وتأسيس هوية رقمية متماسكة تعكس المشروع الوطني بكل تنوعاته، وإدارة السمعة الرقمية للقادة كمهمة مؤسسية دائمة، وليست رد فعل عند الأزمات فقط، وبناء فرق اتصال مؤهل، يتقن أدوات العالم الرقمي ويعمل وفق استراتيجية واضحة، وهذا ما يؤثر على توجهات الرأي العام وتماسك الرأي الوطني الداعم للقيادة.



