آراء

إسرائيل بعد الانتخابات: هل تتغير الوجوه أم يتغير المسار؟

76 مشاهدة قراءة 6 دقيقة

الكاتب : د. بسام سعيد 
  
أيام قليلة وتدخل إسرائيل استحقاقاً انتخابياً جديداً ومهما وسط مشهد سياسي مفتوح على أكثر من احتمال، لكن أربعة سيناريوهات تبدو حاضرة وهي تتلخص فيما ستؤل اليه النتائج كالتالي: عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم، وصول جادي إيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، تشكيل حكومة وحدة وطنية برعاية الرئيس إسحاق هيرتسوغ، أو الاتجاه  مجدداً إلى انتخابات مبكرة إذا تعذر إنتاج ائتلاف مستقر .
أولاً: عودة نتنياهو 
سيخوض نتنياهو المعركة باعتبارها معركة بقاء سياسي وشخصي، مستفيداً من خبرة طويلة في تفكيك خصومه واستثمار تناقضاتهم. وسيحاول استقطاب المترددين من داخل معسكر المعارضة، وإعادة إنتاج تكتيكاته القديمة في شق الكتل واستمالة أعضائها.
لكنه هذه المرة يواجه معسكراً تتوحد أطرافه، رغم اختلافاتها، حول شعار «إلا نتنياهو». غير أن هذا الشعار قد يكون أسهل في جمع المعارضين داخل صندوق الاقتراع منه في جمعهم حول طاولة واحدة لتشكيل حكومة.
ثانياً: حكومة إيزنكوت 
قد يجد إيزنكوت نفسه أمام فرصة تاريخية لتشكيل الحكومة، مستفيداً من تراجع مكانة نتنياهو لدى قطاعات من الرأي العام ومن رغبة قوى سياسية في إنهاء عهده.
لكن المشكلة ستبدأ بعد التكليف لا قبله. فالمعسكر المناهض لنتنياهو ليس متجانساً. بينت وليبرمان يختلفان حول العلاقة مع الأحزاب العربية، كما أن ملف الأحزاب الدينية وتوزيع النفوذ والزعامة داخل المعسكر نفسه قد يفتح صراعاً مبكراً.
وبالتالي، فإن إسقاط نتنياهو شيء، وبناء حكومة قادرة على البقاء شيء آخر تماماً.
ثالثاً: حكومة وحدة برعاية هيرتسوغ 
إذا تعذر على المعسكرين تشكيل حكومة، قد يحاول الرئيس إسحاق هيرتسوغ الدفع باتجاه حكومة وحدة وطنية، وربما حكومة تناوب.
لكن العقبة الأكبر ستظل في الثقة المفقودة بين نتنياهو وخصومه. نتنياهو يريد أن يبدأ من موقع القيادة، بينما يرفض خصومه منحه فرصة العودة إلى رئاسة الحكومة عبر بوابة الوحدة. ولذلك قد تبقى فكرة حكومة الوحدة مطروحة، لكنها شديدة الصعوبة سياسياً.
رابعاً: انتخابات جديدة 
إذا فشلت كل محاولات تشكيل الحكومة، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام انتخابات مبكرة جديدة، وهو سيناريو ليس غريباً على تجربتها السياسية الحديثة.
وفي هذه الحالة، قد يبقى نتنياهو رئيساً لحكومة انتقالية، فيما يدخل خصومه في جولة جديدة من الصراع على القيادة. وهو سيناريو يطيل الأزمة بدلاً من حلها.
 أما بخصوص المنافسة بين نتنياهو وإيزنكوت قد تبدو  وكأنها مواجهة بين مسارين متناقضين، لكن التدقيق في مواقف الرجلين يكشف مساحة من التقاطع، خصوصاً في القضايا الأمنية والاستراتيجية.
كلاهما يأتي من المؤسسة الأمنية والعسكرية، وكلاهما ينظر إلى القوة العسكرية باعتبارها أداة أساسية في حماية المصالح الإسرائيلية. كما أن قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على حدود 1967 لا يبدو، وفق المواقف المعروفة، خياراً مركزياً لدى أي منهما. الفارق المحتمل يكمن في طريقة إدارة القوة وتوظيفها.
نتنياهو يميل إلى المواجهة المباشرة وإظهار القوة، بينما قد يسعى إيزنكوت إلى مزج القوة بالدبلوماسية، وإعادة ترميم العلاقات مع واشنطن وأوروبا، وتوسيع هامش الحركة الإقليمية لإسرائيل. وفي غزة والضفة قد يتغير الأسلوب والأدوات، وقد تكون هناك ترتيبات إنسانية وسياسية أكثر مرونة، وتعاون أوسع مع السلطة الفلسطينية في بعض الملفات، ومساحة أكبر للدبلوماسية في التعامل مع لبنان وسوريا، لكن مع بقاء التفوق العسكري والأمني الإسرائيلي في صلب الحسابات. ومن هنا يمكن القول قد يتغير رئيس الحكومة، وقد يتغير الائتلاف، وقد تتغير اللغة السياسية والدبلوماسية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تغيير المسار الذي ترسخ خلال السنوات الأخيرة.
فإسرائيل التي ستخرج من الانتخابات ليست بالضرورة إسرائيل التي دخلتها. اليمين الديني والقومي أصبح أكثر حضوراً، والحرب أعادت تشكيل الوعي السياسي والأمني، والمؤسسة العسكرية والأمنية باتت أكثر تأثيراً في صناعة القرار.
لذلك، فإن السؤال الأهم بعد الانتخابات لن يكون فقط: من سيحكم إسرائيل؟ بل سيكون: هل يستطيع من يحكمها أن يغيّر المسار الذي أصبحت تسير فيه؟ قد يرحل نتنياهو، وقد يأتي إيزنكوت، وقد تتشكل حكومة وحدة أو انتخابات جديدة، لكن تغيير الاسم في رأس الهرم لا يعني بالضرورة تغيير الهرم نفسه.

*أكاديمي وكاتب من قطاع غزة