الكاتب : عيسى قراقع
كشفت القناة 14 الإسرائيلية، في الأول من أكتوبر 2026، حالة الصرع التي انتابت الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، قائد حرب الإبادة والمشانق في سجون الاحتلال، عندما تلقّى صورة لوجبة طعام لأحد الأسرى الفلسطينيين في سجن النقب، ظهر فيها ثماني حبات من الزيتون بدلًا من ست حبات. أُعلنت حالة الطوارئ، وقطع هذا الوزير إجازته في الأعياد اليهودية ليسافر، مستفزًّا، إلى سجن النقب، ولمدة ثلاث ساعات في قلب الصحراء، لردع الخطر الأمني والوجودي الذي يهدد دولة إسرائيل، وينتزع حبتين من الزيتون من معدة ذلك الأسير، ويحاسب السجانين الذين تجاوزوا نظام تجويع الأسرى وتهديم كيانهم الجسدي والنفسي.
فرض السيطرة يبدأ بالزيتون، قال بن غفير صارخًا في وجه السجانين: هذا موسم الحرب على شجرة الزيتون وزيتها المبارك. اقتلعوا الأشجار، اسرقوا المحاصيل، اقتلوا المزارعين. هذه الشجرة هي تاريخ ورواية وذاكرة تنفي وجودنا على هذه الأرض. جذورها فلسطينية تمتد آلاف السنين. دمّروها. الزيتونة هي أم الفلسطينيين، أم العجائز والكواشين، كائن حي يحمل أرشيف فلسطين.
الحبة السابعة والثامنة في وجبة الأسير الضحلة تجعله يحيا قليلًا، ويسري الزيت في العظام الناشفة، فيختل مقدار الحياة التي تصل إلى الجسد. وهذا يخالف التعليمات الحربية التي ترى في التجويع أداة للسيطرة والتحكم والموت البطيء. التجويع أكثر أدوات التعذيب بشاعة في سجون الاحتلال، وأكثرها خِسّة وانحطاطًا. الجوع سياسة، واللقمة أداة عقاب، والمعدة ساحة صراع.
بن غفير يخاف من حبتين زائدتين في صحن الأسير، لأنه يعرف أن الزيتون في فلسطين يتجاوز الغذاء، إنه شجر الحرية، ذاكرة الفلاح، موسم القطاف والأغاني ورائحة البيوت، شجر الصبر والتكيّف مع الظروف القاسية والعيش طويلًا، شجر السماء الذي يضيء زيته ولو لم تمسسه نار، شجر له أذرع خضراء تعانق أرواح الشهداء، شجر لا يخلع أوراقه أمام أي عاصفة.
دولة كاملة، بكل أجهزتها وجيشها وقوانينها وسجونها، تستنفر من أجل حبات زيتون في طعام أسير، تتحرك من زنزانة إلى زنزانة لترى أثر التجويع كسلاح للإبادة، وتآكل الإنسان وانهيار جسمه وتلاشي ملامحه وذوبانه في ذلك الصمت المرعب خلف الجدار. دولة لا تزال تقاتل لاجتثاث مذاق الزيتون من فم الأسير، ومن تلال فلسطين وحقولها؛ لأنها تدرك أن الزيتون في أرض فلسطين عمره أكثر من عمر دولة الاحتلال، وأنه وثيقة حية وشاهد وكيان ثقافي ورمزي للصمود والمقاومة وتحدي سياسة المحو والفناء.
ثماني حبات زيتون تهز دولة. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من حرب الإبادة الدموية، ما زال الأسير له شهية وكرامة، ينتزع الحياة خلف القضبان وينهض من تحت الأنقاض. وحبات الزيتون أصبحت مسألة أمن قومي، فلا بد من السيطرة على كميات السعرات الحرارية التي تدخل جوف الإنسان المقيّد، وعدد حبات الفاصوليا، وشرائح الخبز، وعدد دقائق الاستحمام، وعدد ساعات النوم، لفرض السيادة على معنى الحرية التي لا تقاس بالأرقام، ولا تُعدّ، ولا يحدّها حد.
الكرامة لا تُحسب بكميات الطعام ولا تُوزن بالغرامات. هناك إرادة لا تُقهر في تلك الأجساد النحيفة، وهناك شجرة زيتون باقية في الأجساد وعيًا وهوية وثقافة، وزيتٌ يسري من حبة التراب إلى آخر جيل يحفر وجوده في ذاكرة النسيان، وفي صخور السفوح المحتشمة.
وزير يقف على باب السجن، وصحن صغير فيه ثماني حبات زيتون في غذاء الأسير، فضيحة وخروج عن المحظورات، ودليل أمني على أن الزيتون يدخل إلى أكثر الأماكن المصممة لاختزال الإنسان. الوزير وصل، ليس لأن هناك محاولة للهروب، ولا بسبب وجود حدث كبير، بل لأن حبتين زائدتين من الزيتون في وجبة الأسير، هذا هو الخبر العاجل المثير، لكنه لا يكشف ما وراءه من جحيم: مصير آلاف الأسرى الذين يُطحنون في آلة مخيفة، جوعًا وتعذيبًا ومرضًا وعزلًا وانتقامًا وموتًا باردًا في الظلام.
كيف توثّق مؤسسات حقوق الإنسان مشاهد وزير إسرائيلي يعربد علنًا وبوحشية في سجون الاحتلال؟ أي لغة قانونية تستطيع أن تصف موت أسير من الجوع؟ هذه ليست مجرد انتهاكات، ولا الجوع حالة إنسانية فقط أو سوء معاملة، إنه قانون وأيديولوجية وسياسة استعمارية متكاملة، تبدأ من حرق أشجار الزيتون، حتى آخر صرخة لأسير فلسطيني يدق على أبواب الحديد ويصرخ: أنا حر، ونحن باقون ما بقي الزعتر والزيتون .

