آراء

حين تتبدّل الفصول ولا تتبدّل المعاناة !

12 مشاهدة قراءة 4 دقيقة

الكاتب : د بسام سعيد 
 
راح الشتاء، وجاء الصيف، ثم رحل الصيف وعاد الشتاء من جديد. ثلاث سنوات مرّت، وما زال وجع النزوح حاضرًا، وما زال الفقد مستمرًا، وكأن الزمن يغيّر الفصول فقط، بينما تبقى حياة النازحين معلّقة في المكان نفسه.
عندما خرج النازحون من شمال قطاع غزة، ورفح ، خرج كثير منهم في الشتاء، ولم يكن يحمل بعضهم سوى ما يرتديه. بعضهم خرج حافي القدمين، لا يحمل من ملابس الشتاء شيئًا، فقد كانت النجاة هي الأولوية، أما الملابس والبطانيات والأغطية، فلم يكن لها مكان في تلك اللحظة.
وهذا ما لمسته بين أعداد كبيرة من النازحين في دير البلح، وكذلك لدى بعض الأصدقاء في المواصي. كان السؤال المتكرر بسيطًا ومؤلمًا: هل لديك بطانية؟ هل تستطيع توفير لحاف أو بعض الملابس الشتوية؟ فالخيمة التي لا تقي من المطر لا تستطيع أن تحمي من برد الليل، ولا من ذلك البرد القارس الذي يتسلل إلى الجسد ويجعل النوم نفسه معاناة.
ثم جاء الصيف، وكانت معاناته مختلفة. شحّت الملابس الصيفية، ودُمرت المحال التي كانت تبيعها، وأصبح الحصول على قطعة ملابس مناسبة أمرًا ليس سهلًا . وكنت ألاحظ بعض من كان محظوظًا ويمتلك ملابس صيفية زائدة، يبيع جزءًا منها بسبب ندرتها في السوق.
ذهب شتاء بمعاناته، وجاء صيف بمعاناته، وها هي"الشتوية" تعود مرة أخرى، ولكن ليس بمزاج اغنية فيروز ،فما زال كثير من النازحين يعيشون في خيام بالية وحياة شاقة. وعود وعهود كثيرة قيلت وأخرى ذهبت ادراج الرياح ،لكن ما يصل إلى الناس غالبًا يأتي من مبادرات فردية، وجمعيات أهلية، ومؤسسات ومبادرات من دول عربية شقيقة، بينما يبقى الحضور الرسمي دون مستوى حجم الحاجة والكارثة. 
وقد يقول البعض: إن أهل غزة صامدون، وجبارون، ويتحملون كل شيء. وربما تبدو هذه الكلمات صحيحة من الخارج، لكن تفاصيل الحياة اليومية شيء آخر. لا يعرف حقيقة هذا الصمود إلا من يعيشه كل يوم؛ من ينتظر الماء، ويبحث عن الطعام، ويواجه البرد داخل خيمته، أو حرّ الصيف تحت سقف من القماش، ويبحث عن ملابس لأطفاله، ويحاول بالكاد  أن يؤمّن أبسط احتياجات أسرته.
فالإنسان حين تضيق أمامه الخيارات لا يعني أنه لا يتألم، وإنما يعني أنه لا يملك خيارًا آخر سوى التعايش مع الكارثة إلى حين !
ولهذا، لو سألت نازحًا: أيهما تفضّل، الصيف أم الشتاء؟ ربما لن يعرف ماذا يجيب. فالصيف حرّ خانق، والشتاء برد ومطر ورياح، وفي الحالتين تبقى الخيمة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الأمان ، تتبدّل الفصول، لكن المعاناة لا تتبدّل.
ويبقى السؤال الحائر الذي يتكرر مع نهاية كل فصل: متى تنتهي هذه الحياة المؤقتة التي طال أمدها، ويستعيد الإنسان حقه البسيط في بيت يحميه من برد الشتاء وحرّ الصيف، ويمنحه شيئًا من الأمان والكرامة؟ فهل من مجيب ؟؟!

*أكاديمي وكاتب