آراء

حدود القوة الأمريكية: من غزة إلى إيران وصعود التنين الصيني 

6 مشاهدة
حدود القوة الأمريكية: من غزة إلى إيران وصعود التنين الصيني 

الكاتب : اسامة ناصر / شيكاغو

لم تكشف حرب غزة حدود القوة العسكرية الأمريكية بقدر ما كشفت حدود قدرتها على تحويل هذه القوة إلى نتيجة سياسية. فالولايات المتحدة لم تخض الحرب بقوات برية واسعة لكنها كانت الطرف الأكثر قدرة على التأثير في إسرائيل عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا. ومع ذلك بقيت الحرب مفتوحة وبقي مستقبل غزة بلا صيغة نهائية واضحة.
وهنا يتكشف الإشكال الحقيقي. فواشنطن تستطيع تسليح إسرائيل وتوفير الغطاء السياسي والدبلوماسي لها لكنها لا تملك دائما القدرة على فرض خياراتها على الحكومة الإسرائيلية. وقد ظهر ذلك في الخلافات حول الهدنة وشروط إنهاء الحرب وترتيبات ما بعد القتال. فالعلاقة بين الحليفين كشفت أن النفوذ الأمريكي كبير لكنه ليس مطلقا.
وتظهر المسألة بصورة مختلفة في الحرب مع إيران. فالولايات المتحدة تستطيع توجيه ضربات عسكرية بعيدة المدى وإلحاق أضرار استراتيجية. لكن تحقيق الأهداف السياسية يظل أكثر تعقيدا. فبعد استخدام القوة يبدأ السؤال الأصعب: كيف تنتهي الحرب؟ وهل يمكن تحويل التفوق العسكري إلى اتفاق يحقق أهداف واشنطن ويمنع جولة جديدة من التصعيد؟
من هنا تتجاوز المسألة حربين منفصلتين لتصل إلى طبيعة القوة الأمريكية نفسها. فالقوة العسكرية تمنح واشنطن قدرة هائلة على الردع والتدمير لكنها لا تمنحها بالضرورة القدرة على تحديد شكل المرحلة التي تلي الحرب.
وهذه المساحة تحديدا هي التي تتحرك فيها الصين. فبكين لا تنافس واشنطن بالطريقة العسكرية نفسها وإنما تبني نفوذا مختلفا عبر الاقتصاد والدبلوماسية والعلاقات المتوازنة مع أطراف متعارضة. فهي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع إيران وتوسع في الوقت نفسه علاقاتها مع دول الخليج ومصر. وكانت وساطتها بين السعودية وإيران عام 2023 مثالا على دخولها المباشر في ملف إقليمي حساس. كما يعكس حضورها المتزايد في مصر رغبتها في تثبيت موقعها كلاعب طويل الأمد في المنطقة.
لكن صعود الصين لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت موقعها فما زالت واشنطن صاحبة الحضور العسكري الأكبر وشبكة التحالفات الأوسع في الشرق الأوسط. والجديد هو أن دول المنطقة لم تعد مضطرة إلى وضع كل رهاناتها في السلة الأمريكية وهو ما يمنح بكين وموسكو وغيرهما مجالا أوسع للحركة.
وهنا تكمن أهمية غزة وإيران بالنسبة إلى ترامب. فالرئيس الذي بنى جزءا من سياسته على الضغط والقوة والصفقات السريعة يواجه الآن اختبارا مختلفا: كيف يحول القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية من دون أن يتحول استمرار الحرب إلى عبء عليه؟
في غزة يريد إنهاء الحرب ضمن ترتيب يضمن له تقديم الصفقة باعتبارها نجاحا أمريكيا. وفي إيران يواجه معادلة أكثر تعقيدا بين تحقيق أهداف الحرب ومنع تحولها إلى صراع مفتوح. وفي الحالتين لا تكفي الضربة العسكرية وحدها لصناعة النهاية.
لذلك فإن مأزق ترامب ليس فقط كيف ينتصر في الحرب بل كيف يعرّف النصر. فإذا كان النصر يعني تحقيق أهداف سياسية قابلة للاستمرار فإن القوة العسكرية وحدها لا تكفي. أما إذا تحولت الحروب إلى نهايات غير محسومة وطويلة فإنها قد تمنح الصين فرصة أكبر لبناء نفوذها من خلال الدبلوماسية والاقتصاد بينما تظل واشنطن منشغلة بإدارة الأزمات.
وهنا يأتي السؤال الأهم: هل يستطيع ترامب تحويل التفوق الأمريكي إلى ترتيب إقليمي جديد أم أن الحروب التي أراد من خلالها استعادة المبادرة الأمريكية ستفتح المجال أمام التنين الصيني لتوسيع نفوذه؟