آراء

بعد البطولة والكارثة في غزة : أي فلسطين نستحق؟

12 مشاهدة
بعد البطولة والكارثة في غزة : أي فلسطين نستحق؟

 

الكاتب: جمال زقوت

لم تكن غزة، في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، مجرد مساحة جغرافية محاصرة، ولا مجرد ساحة مفتوحة لمقاومة مستمرة وعنيدة ضد الاحتلال. فقد كانت، في كل المنعطفات الكبرى، رافعةً لتجديد الوطنية الفلسطينية، وحاضنةً للهوية الوطنية الجامعة، كلما تعرض المشروع الوطني لمحاولات الطمس أو التفكيك أو الاختزال أو الإحلال.

من مخيماتها انطلقت انتفاضة فلسطين الكبرى التي أعادت الاعتبار للهوية الفلسطينية ومكانة القضية الوطنية، وعلى أرضها تبلورت محطات مفصلية أعادت صياغة العلاقة بين الشعب وقضيته. واليوم، بعد حرب الإبادة الجماعية الأكثر تدميرًا في تاريخ الشعب الفلسطيني، تعود غزة لتطرح سؤالًا يتجاوز حدود الحرب ونتائجها المباشرة؛ هل يمكن أن تتحول تضحياتها الهائلة إلى لحظة تأسيس سياسي جديد، لا مجرد محطة أخرى في إدارة أزمة ممتدة؟ فغزة لا تطرح فقط سؤال إعادة الإعمار على أهمية ذلك لحياة أهلها، بل وأيضًا سؤال إعادة بناء السياسة الفلسطينية نفسها.

الحرب كشفت أزمة النظام السياسي لا أزمة إدارة غزة فقط

إن النقاش الدائر حول ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب، مهما كانت صيغها أو الجهات المشاركة فيها، يظل ناقصًا إذا اختُزل في كيفية إدارة القطاع أو من سيتولى مسؤولية مؤسساته. فهذه ترتيبات مؤقتة، قد تكون ضرورية انتقاليًا لمعالجة الواقع المباشر، لكنها لا تستطيع إطلاقًا إنتاج شرعية وطنية جديدة أو إعادة بناء نظام سياسي قادر على مواجهة المرحلة التاريخية المقبلة.

المسألة الأعمق هي أن الحرب كشفت أزمة أقدم من الحرب نفسها؛ أزمة نظام سياسي فلسطيني ظل عاجزًا عن حل التناقض المركزي الذي رافق التجربة منذ إنشاء السلطة الفلسطينية وهي كيف يمكن لشعب يعيش مرحلة تحرر وطني في مواجهة مشروع استعماري استيطاني، أن يبني في الوقت ذاته مؤسسات دولة ديمقراطية حديثة؟ هذا السؤال لم يكن يومًا مسألة نظرية، بل كان جوهر المأزق الفلسطيني خلال العقود الثلاثة الماضية.

وإذا كانت الحرب قد كشفت حدود الصيغ السياسية التي حكمت المرحلة الماضية، فإن ما أبدته حركة حماس وقوى المقاومة من مرونة متزايدة حيال قضايا الحكم وإدارة قطاع غزة، معلنة موافقتها على مقاربة حول قضية السلاح في إطار وطني توافقي، يمثل تطورًا سياسيًا لا ينبغي التعامل معه بوصفه مجرد استجابة ظرفية لضغوط الحرب. فالقيمة الحقيقية لهذه المرونة، تكمن في إمكانية أن تفتح نافذة لمعالجة الأزمة الداخلية الفلسطينية من جذورها، عبر إعادة تعريف العلاقة بين المقاومة والسلطة، وبين مهام التحرر الوطني ومتطلبات الحكم الديمقراطي، بما يؤسس لشراكة وطنية جديدة، بدلًا من الاكتفاء بإدارة الانقسام أو إعادة إنتاجه.

المعضلة المؤجلة منذ قيام السلطة

لقد بقيت العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، وبين مهام التحرر الوطني ومتطلبات بناء مؤسسات الدولة، وبين المقاومة والحكم، دون صياغة سياسية واضحة قادرة على استيعاب تعقيدات الحالة الفلسطينية. فمن جهة، بقي الاحتلال يواصل مشروعه القائم على السيطرة والضم والاستيطان والاقتلاع والتهجير، بما يجعل مهام التحرر الوطني مستمرة وغير قابلة للتأجيل. ومن جهة أخرى، نشأت مؤسسات سلطة حكم احتاجت إلى قواعد دولة ديمقراطية قائمة على الشرعية والمساءلة وسيادة القانون. لكن غياب التمييز الواضح بين قيادة مشروع التحرر الوطني وإدارة شؤون المجتمع والدولة أدى إلى التباسات عميقة، كان من أبرز نتائجها، بالإضافة إلى الفشل الذريع في الحكم، الانقسام السياسي والجغرافي، واستنزاف القدرة الوطنية على مواجهة التحولات الكبرى. لقد عاشت التجربة الفلسطينية طويلًا بين معادلتين ناقصتين: سلطة بلا سيادة، أو مقاومة بلا مؤسسات. وما تحتاجه فلسطين اليوم ليس اختيار واحدة منهما، بل تجاوزهما معًا.

من يدير غزة؟ أم كيف تُحكم فلسطين؟

لهذا فإن السؤال المركزي بعد غزة لا ينبغي أن يكون فقط من سيدير القطاع. بل، أي نظام سياسي يحتاجه الفلسطينيون لعبور هذه المرحلة.
إن أي انتقال حقيقي لا بد أن يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين مستويين متكاملين: الأول هو التحرر الوطني، وحاجة منظمة التحرير الفلسطينية إلى إعادة بناء شاملة على أسس ديمقراطية وتعددية، لتستعيد دورها بوصفها الجبهة الوطنية العريضة والجامعة لحركة التحرر الوطني بكل روافدها، والممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، والمرجعية السياسية العليا التي تصون وحدة المشروع الوطني وتحدد أهدافه الاستراتيجية. أما الثاني فهو مستوى السلطة أي الدولة ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، التي يجب أن تقوم على الشرعية الدستورية، والتداول الديمقراطي، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، والمساءلة، واحترام الحقوق والحريات العامة. إن الفصل بين هذين المستويين لا يعني الفصل بين الوطن والدولة، بل يعني بناء العلاقة الصحيحة بينهما. فمنظمة التحرير لا ينبغي أن تكون حكومة، والحكومة لا ينبغي أن تكون بديلًا عن التمثيل الوطني الجامع. الأولى تقود مشروع التحرر الوطني، والثانية تدير شؤون المجتمع والدولة. هذا هو المفتاح الذي ظل مفقودًا في التجربة الفلسطينية باستثناء سنوات قليلة تم خلالها محاولات جادة للربط بين مهام التحرر الوطني وبين مهام بناء المؤسسات لتعزيز قدرة الناس على الصمود والبقاء، والتي للأسف سرعان ما تم الإطاحة بما حققته بدلاً من البناء على ما تم انجازه.

الديمقراطية التحررية: فلسفة حكم فلسطينية جديدة

من هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم يتجاوز الصيغ التقليدية، يمكن تسميته الديمقراطية التحررية. وهذا المفهوم ليس مجرد جمع بين كلمتين، بل محاولة لتقديم فلسفة حكم تنطلق من خصوصية الحالة الفلسطينية؛ حالة شعب يخوض معركة تحرر وطني، لكنه يدرك أن بناء الحرية يبدأ من داخل المجتمع نفسه. فالديمقراطية ليست ترفًا يؤجل إلى ما بعد الاستقلال، كما أن التحرر الوطني ليس ذريعة لتعليق الحقوق والحريات. فالاحتلال يسعى إلى إضعاف المجتمع وتفكيك قدرته على الصمود، بينما تبني الديمقراطية مجتمعًا أكثر تماسكًا، ومؤسسات أكثر شرعية، ومواطنًا أكثر قدرة على المشاركة والدفاع عن وطنه. ومن هنا تصبح الحرية السياسية الداخلية جزءًا من قوة المشروع الوطني، لا عبئًا عليه.

المواطنة أساس الشرعية الوطنية

الديمقراطية التحررية تعني أيضًا أن المواطنة هي أساس العلاقة بين الفرد والدولة. فلا يمكن بناء مشروع وطني قادر على الصمود إذا شعر المواطن أن حقوقه مرتبطة بانتمائه السياسي أو الفصائلي أو الجهوي، أو أن العدالة والكرامة والحريات قضايا مؤجلة إلى ما بعد التحرر.

إن حماية حقوق الإنسان، والمساواة بين النساء والرجال، واستقلال القضاء، والعدالة الاجتماعية، وحرية التعبير، وتكافؤ الفرص، واجتثاث الفساد والمحسوبية، ليست مطالب حقوقية منفصلة عن مشروع التحرر الوطني، بل هي ركائز لبناء مجتمع متماسك ودولة عادلة، وشروط أساسية لتعزيز قدرة الشعب على مواجهة الاحتلال. فالمجتمع الحر، الذي تسوده سيادة القانون وتكافؤ الفرص، هو الأقدر على مقاومة الاحتلال وصون وحدته الوطنية.

غزة والفرصة التاريخية

إن المرحلة التي تفرضها وقائع ما بعد الحرب يجب ألا تتحول إلى مجرد ترتيبات مؤقتة لإدارة أزمة أو إعادة توزيع نفوذ. إنها فرصة تاريخية لإطلاق عملية إعادة تأسيس للنظام السياسي الفلسطيني بأكمله.

وهذا يتطلب إطارًا وطنيًا توافقيًا يعيد توحيد المؤسسات، ويطلق عملية إعادة بناء لمنظمة التحرير، ويعيد تعريف وظيفة السلطة الفلسطينية، ويمهد الطريق لانتخابات عامة تكون تتويجًا لإعادة بناء الشرعية، لا وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام.

إن هذه المسؤولية لا تقع على طرف فلسطيني دون آخر. فكما تفرض اللحظة على قوى المقاومة مراجعة أدوارها وأولوياتها، فإنها تضع قيادة السلطة والقوى السياسية كافة أمام استحقاق تاريخي مماثل؛ إما الانخراط في بناء نظام جديد، أو البقاء أسرى مرحلة استنفدت شروط استمرارها

أي فلسطين نريد؟

 لقد كانت غزة، في كل محطات التاريخ الفلسطيني الحديث، أكثر من ساحة مواجهة؛ كانت لحظة لإعادة تعريف المشروع الوطني. واليوم، بعد هذا القدر الهائل من التضحيات، رسالتها الأعمق أنها لا تدعونا فقط إلى إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل إلى إعادة إعمار السياسة الفلسطينية نفسها. فالتحدي لم يعد مجرد إنهاء الانقسام، ولا مجرد إعادة بناء المدن والمؤسسات على أهمية ذلك، بل بناء فلسفة حكم جديدة تتجاوز المأزق الذي حكم التجربة الفلسطينية منذ قيام السلطة؛ سلطة بلا سيادة، أو مقاومة بلا مؤسسات.

فلسطين تحتاج إلى ديمقراطية تحررية؛ نظام سياسي يجعل منظمة التحرير، بعد إعادة بنائها، قيادةً جبهويةً لحركة التحرر الوطني، ويجعل مؤسسات الدولة فضاءً للديمقراطية والمساءلة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية.

كما تحتاج فلسطين إلى نظامٍ لا يفصل بين مقاومة الاحتلال وبناء الإنسان، ولا بين الدفاع عن الأرض وصيانة الحرية، ولا بين حق الشعب في تقرير مصيره وحق المواطن في الكرامة والمشاركة.

حينها فقط يمكن القول إن غزة لم تدفع أثمانها الهائلة من أجل إنهاء حرب فحسب، بل من أجل منح الفلسطينيين فرصة تاريخية للإجابة عن السؤال الذي ظل مؤجلًا منذ قيام السلطة وهو 
أي فلسطين نريد ؟ وأي نظام سياسي يليق بتضحيات شعبنا ومستقبل أجياله؟