الكاتب : اياد أبو روك
ليست الكارثة في غزة هذه المرة ككل مرة وليست الحرب كسابقاتها لا من حيث الحجم ولا من حيث المآل ولا من حيث انعكاساتها السياسية على حاضر المشروع الفلسطيني ومستقبله. فالمشهد تجاوز في فداحته حدود التحليل المعتاد ولم يعد مقبولًا أن يختزل وجع غزة في سرديات البطولة والشعارات وحدها بينما الشوارع مليئة بالركام البشري والمستشفيات مغيبة والمدارس اصبحت قبورا جماعية و ملاجئ خيام متهالكة !
إنه الوقت الأصعب، لكنه أيضًا الوقت الأنسب لتسمية الأشياء بأسمائها. وهذا المقال لا يرمي إلى تسجيل موقف انفعالي ضد حركه حماس بل إلى تقديم قراءة تحليلية مسؤولة وضرورية لمسار خطير تم اعتماده من قبل القيادة السياسية لحركة حماس ونتج عنه ما يمكن وصفه بأكبر أزمة إنسانية شهدها القطاع في تاريخه المعاصر وهنا لا أبرئ الاحتلال من افعاله التي فاقت حدود العقل من اجرام وبشاعة علي كل المستويات.
انطلقت الحرب الأخيرة تحت عناوين كبيرة: تحرير الأسرى كسر الحصار حماية القدس وفك العزلة عن الكل الفلسطيني. لكن سرعان ما تآكلت هذه العناوين في زحمة الدم والدمار. فرغم بسالة الشعب في الميدان من صبر وعزيمة وترابط إلا أن الأداء السياسي بدا وكأنه يعيش حالة من الانفصال عن الواقع تحكمه لغة الشعار لا منطق الإستراتيجية. ولنأخذ على سبيل المثال خطاب السيد خليل الحية الأخير الذي طالب فيه بـ "صفقة" لتحرير الأسرى الإسرائيليين دون شروط سياسية واضحة. هذا الخطاب في توقيته ومضمونه لا يمثل فقط تراجعا عن النبرة الثابتة التي رافقت الحرب بل يكشف حجم الارتباك داخل الحركة. لقد تحول شعار صفقة مشرفة إلى طلب ملح للوساطة ما يطرح سؤالًا أخلاقيا: هل يستحق شعب بأكمله أن يدفع هذا الثمن لينجز هدفا كان يمكن التفاوض عليه قبل كل هذا الدمار؟
واحدة من أكثر المفارقات إيلاما في هذه الحرب هي رهان حماس السياسي على حلفاء خارجيين صوّروا لها أنها تقف على أرض صلبة وأنها تمثل رأس حربة محور المقاومة. تم تضخيم القدرة الذاتية لحركه حماس وايهامهم ان ردود فعل المجتمع الدولي ستكون في صالحهم والتغاضي عن تغيرات موازين القوى. لكن ومع توالي المجازر بدأت حماس تفقد ورقة الدعم الدولي تدريجيا. مصر أصبحت حائرة من تصرفات حماس وقطر أكثر حذرا وتركيا أكثر دبلوماسية وعلي الجانب الاخر تحريك الشارع بالمظاهرات . بل إن إيران نفسها رغم خطابها الثوري لم تتجاوز الدعم الإعلامي وبعض التصريحات الرمزية. فهل كانت القيادة السياسية في غزة تقرأ هذه المعطيات بواقعية؟ أم أنها اكتفت بتصديق صورتها في مرآة الحلفاء؟
لا يمكن لأي حركة سياسية مهما امتلكت من أدوات المقاومة أن تستمر في اتخاذ قرارات مصيرية بعيدا عن تأمين شعبها من الكوارث . فالشرعية لا تستمد فقط من البندقية بل من الرؤية والمساءلة والقدرة على حماية الناس. لقد تم الزج بالشعب في مواجهة مفتوحة دون تحصينات مدنية ولا خطط إجلاء ولا دعم إنساني منظم. تحول المدنيون إلى رهائن ميدانيين لمعركة لا يتحكمون في مسارها. وعندما بدأت قيادات الحركة في النزول التدريجي من على الشجرة التي صعدت إليها بخطاب النصر الإلهي كان الشعب قد تجاوز لحظة التصديق، وبدأ يطرح الأسئلة الحقيقية: لماذا هذه الخسارة؟ ومن سيعيد الإعمار؟ كيف سيعيش الناجون؟ وماذا عن الأطفال الذين تيتموا؟ والأهم: من سيتحمل المسؤولية السياسية؟
الدفاع عن خيار المقاومة لا يعني تجميد النقد. بالعكس، النقد هو ما يحصن المشروع الوطني من الانحراف ويمنع تحول المقاومة إلى سلطة فوق الشعب. لقد آن الأوان، وبألم بالغ أن تعترف قيادة حماس أنها أخطأت التقدير في هذه الحرب، وأن الشعارات لا تغني عن التخطيط، وأن تضخيم الذات لا يعفي من المحاسبة. من حق غزة أن تُسأل حماس: أين الحلفاء الآن؟ وأين الرؤية السياسية؟ ولماذا لم تفتح الجبهات الأخرى كما وعدتم؟ ولماذا عاد الخطاب إلى اللغة الإنسانية بعدما كانت اللغة تحلق في فضاءات تحرير الأرض من البحر إلى النهر؟
إن أخطر ما تمر به حركة وطنية هو أن تعتبر النقد طعنا وأن ترى في المراجعة ضعفا. لكن لحسن الحظ الشعب الفلسطيني أكثر وعيا من أن يخدع إلى الأبد. إن رسالته اليوم واضحة: لسنا ضدكم، لكننا نرفض أن نستخدم وقودا في معركة بلا بوصلة. نرفض أن يباع دمنا على موائد المفاوضات وأن يفرض علينا الصمت باسم الضرورة الوطنية. لقد آن الأوان أن تعاد صياغة العلاقة بين السياسة والمقاومة بين القيادة والشعب على أساس من الصدق والشفافية والرؤية. فالمشروع الوطني لا يبنى فوق جماجم الأبرياء ولا تدافع عنه شعارات فضفاضة بل يبنى بأمانة الموقف ووضوح المسار واحترام الإنسان. وختاما إن الكرسي الذي يبنى على الدم لا يثبت والمجد الحقيقي هو لمن يملك الشجاعة ليترجل قبل فوات الأوان.



