آراء

الفلسطينييون:  حاضر مؤلم وصعب ومستقبل مجهول

5 مشاهدة
الفلسطينييون:  حاضر مؤلم وصعب ومستقبل مجهول

الكاتب : منتصر حمدان
لا يكاد أغلب الفلسطينيين يتنفسون الصعداء مع كل تدخل سياسي لوقف الحروب الإقليمية في المنطقة، حتى يجدون أنفسهم في المربع الأول لتداعيات الحرب التي يمر على بدء شراراتها الاولى أكثر من (1009) ايام.. حرب السابع من أكتوبر( 2023)، التي دفع الفلسطينييون على اثرها، اثمانا كبيرة من الارواح والاصابات والتدمير والجوع والفقر وضيق الحال، وسط غياب اية أفق سياسية تخرجهم من حالة عدم اليقين التي باتت معالمها تتسيد كل تفاصيل المشهد العام لدى الفلسطينيين.
حالة عدم اليقين بالنسبة للفلسطينيين يمكن استشعار مؤشراتها الاولى، من واقع حال قرابة ( 20) الف جريح ومصاب لا زالوا ينتظرون السماح لهم بالسفر للخارج لتلقي العلاج، وسط مخاوف ذويهم وعائلاتهم من مخاطر ان يكون مصيرهم الموت كحال ( 500) جريح ومصاب توفوا قبل السماح لهم بالسفر وفقا للاحصائيات الفلسطينية الرسمية.
ان استمرار الحروب الإقليمية وما تفرضها من تداعيات مباشرة وغير مباشرة على حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، لا زالت انعكاساتها وتأثيراتها حاضرة ، فالطلبة الراغبون بمواصلة دراستهم الجامعية خارج فلسطين يفقدون الأمل في أحلامهم ومستقبلهم المعلق بانتهاء الحروب، وواقع العمال الذين فقدوا مصادر رزقهم ويواجهون كل تفاصيل القهر والمعاناة لا يختلف كثيرا، حيث يخاطر الكثير منهم  بارواحهم وحياتهم في محاولات التسلل والوصول الى اماكن عملهم حيث قتل العديد منهم خلال محاولات الدخول فوق الجدار الفاصل ، وحال أصحاب المشاريع الزراعية و الاقتصادية والاستثمارية الذين تكبدوا خسائر فادحة باتوا غير قادرين على المزيد من المغامرة في الاستثمار في بيئة غير مستقرة لا أمنيا ولا سياسيا.
وفي الإطار ذاته تجد أصحاب المحال التجارية غير مستعدين للمغامرة بالسفر واستيراد البضائع تحسبا من صعوبة إلاجراءات والقيود على حركة تنقلهم و إدخال بضعائهم للأراضي الفلسطنينة، اضافة الى الحواجز العسكرية على الطرقات ومداخل المدن الرئيسة، في حين ان واقع المزارعين ومربي المواشي في الارياف يكون أكثر تعقيدا حينما يتم حرق مزارعهم وتهديدهم بالضرب والاعتقال وطردهم من أراضيهم ومصادرة معداتهم الزراعية ومواشيهم وتدمير مزارعهم،  ويقابل ذلك تراجع حاد في القدرة الشرائية لدى عامة المواطنين الذين باتوا ينتهجون التقشف في كل الأشياء للتغلب على ارتفاع الأسعار ونقص السلع وكل ذلك نتيجة للوضع الاقتصادي الصعب.
آثار الحروب وانعكاساتها باتت تثقل كاهل الفلسطينيين وتدخلهم في حالة عدم اليقين كونها طالت اغلب مناحي الحياة، الانسانية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والصحية، وجعلته يتكبد خسائر فادحة  لهذه الحروب المستمرة والتي تتطلب عشرات السنوات للتعافي وتخطي نتائجها الكارثية.
 كلفة الحروب لا يتم حسابها فقط باحتساب الخسائر التي لحقت بكل طرف في ميدان الحرب العسكرية، بل هذه الكلفة يدفعها الطرفان من مستقبلهما ومستقبل أولادهما والأجيال اللاحقة، فعلى سبيل المثال حينما تمنع اسرائيل السماح للعمال الفلسطينيين من العمل لديها، فإن مشاريعها الاقتصادية تخسر بالقدر ذاته، وحينما تمارس اسرائيل سياسة التجويع والقتل بحق الفلسطينيين فان ارتدادات تلك الجرائم لن تنحصر على الضحايا بل ان آثارها سوف تلاحق  وتطول مرتكبيها ويكون لها تأثيراتها على المجتمع الاسرائيلي على المديين المتوسط والبعيد.
كما ان اتساع رقعة الحروب إلى لبنان وايران، وانشغال العالم بها، يلحق اضرارا كبيرة  بنحو (3.2 ) مليون فلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية، الذين يواجهون تهديدات يومية  لا تقل خطورة عما يواجهه سكان غزة، خاصة مع استمرار انسداد الافق السياسي وتراجع الحلول السياسية للقضية الفلسطينية، وانشغال العالم في معالجة تداعيات الحرب الاقليمية ما يضع الفلسطينيين  أمام خيارات محدودة جداً، و حالة عدم اليقين لمستقبلهم الفردي والجمعي والسياسي،  وتبدد اية أفق جديدة لإنهاء معاناتهم الناجمة عن هذه الحروب.
الإحصائيات والأرقام تتحدث عن نفسها في هذا الواقع حيث يجد الفلسطينييون انفسهم امام مخاطر وضغوط امنية جديدة ، فالخسائر البشرية والأرواح في هذه الحروب بلغت لغاية الان ما يزيد على (75) الف فلسطيني وجرح ما يزيد على (200) الف آخرين  والآف المفقودين، وتدمير شبه كامل للمباني والمؤسسات والمشاريع و مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، في حين ان خسائر الضفة الغربية المحتلة، وصلت آلى  (1102) ضحية وإصابة (9034) آخرين،  كنتيجة لهجمات جيش الاحتلال الاسرائيلي ومستوطنيه التي بلغت  (19) ألفا و(700) اعتداء بحق الفلسطينيين، واقتلاع وتخريب وتضرر وتسميم (19) ألف شجرة،  والاستيلاء (53) ألف دونم، واقامة (13) منطقة عازلة حول المستوطنات واقامة (57) بؤرة استيطانية جديدة، وشرعنة (13) بؤرة استيطانية أخرى، وعلى المستوى ذاتهةتواصلت سياسة هدم المنازل والمنشآت التي بلغت( 1022) منشأة سكنية وزراعية، إضافة إلى  (1167) إخطارا بالهدم ووقف البناء، ونشر مئات الحواجز العسكرية على الطرقات.  
في حين تؤشر  الكلفة المالية والاقتصادية لهذه الحروب خاصة بعد وقف منح تصاريح العمل لقرابة (153) ألف عامل من الضفة كانوا يعملون في المنشآت الاسرائيلية الى ضغوط كبيرة ، كونهم  كانوا يساهمون  بنسبة (20)% من إجمالي القوى العاملة الفلسطينية ويحققون دخلاً ما مقداره (3) مليارات دولار سنويا، إضافة الى زيادة نسبة البطالة في الضفة إلى( 30 )%، ويترافق ذلك مع ارتفاع الأسعار وتراجع المشاريع الاستثمارية، واغلاق المشاريع الصغيرة، إضافة الى تأثيرات احتجاز أموال المقاصة وانعكاسات ذلك على قدرة السلطة الفلسطينية في تقديم الخدمات وتسديد رواتب موظفيها الذين باتوا يدبرون أوضاعهم بشق الأنفس بعد صرف نسب (50)% من الراتب الشهري، ما ساهم في انخفاض مستويات الإنفاق الاستهلاكي بنحو (16)% حسب احصائيات 2024 والحاق خسائر بنسبة 12% من إجمالي الناتج المحلي ما يعادل (2.5) مليار دولار.
وأمام هذا الواقع الصعب فان معالم الحاضر بالنسبة للفلسطينيين بالغ الصعوبة والألم، في حين ان مستقبلهم السياسي  بات معلقاُ للمجهول.