آراء

بين صمت المعارضة ومضامين المراسيم الرئاسية ... من يراجع النظام القانوني الجديد للانتخابات الفلسطينية ..؟

38 مشاهدة
بين صمت المعارضة ومضامين المراسيم الرئاسية ... من يراجع النظام القانوني الجديد للانتخابات الفلسطينية ..؟

الكاتب : يونس العموري

في الأنظمة الدستورية، لا تقاس المواقف السياسية بما تعلنه الأطراف من شعارات فحسب، وإنما بما يترتب على خياراتها من آثار قانونية. فقد يرفض الفاعل السياسي نصا قانونيا، لكنه يجد نفسه، من خلال التعامل مع نتائجه أو الانخراط في الآليات التي أنشأها، يمنحه شرعية عملية لم يكن يقصدها. وهنا تكمن إحدى أكثر الإشكاليات تعقيدا في المرحلة الفلسطينية الراهنة، حيث لم تعد المسألة تتعلق بمجرد الدعوة إلى انتخابات جديدة، بل بطبيعة النظام القانوني الذي أنشأته المراسيم الرئاسية الأخيرة، وبالنتائج الدستورية التي تترتب على المشاركة فيها.

لقد انشغل الخطاب السياسي الفلسطيني خلال الأيام الماضية برصد مواقف القوى والفصائل من المراسيم الرئاسية المتعلقة بانتخابات المجلس التشريعي والمجلس الوطني، ومن التعديلات التي أدخلت على قانون الانتخابات. غير أن معظم النقاشات بقيت أسيرة السؤال السياسي التقليدي ..من يؤيد الانتخابات ومن يعارضها؟ بينما غاب سؤال أكثر عمقا، وربما أكثر خطورة، وهو : ماذا تعني المشاركة في الانتخابات وفق النظام القانوني الجديد؟ وما هي الآثار التي يرتبها هذا النظام على بنية منظمة التحرير الفلسطينية نفسها؟

فالمراسيم الرئاسية الأخيرة لم تقتصر على تحديد موعد أو آلية لإجراء انتخابات المجلس التشريعي، وإنما أعادت رسم العلاقة القانونية بين مؤسسات السلطة الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير، من خلال النص على أن أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين عن الضفة الغربية وقطاع غزة يصبحون، بحكم القانون، أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني . وبهذا لم تعد انتخابات المجلس التشريعي مجرد استحقاق يتعلق بمؤسسات السلطة، وإنما أصبحت في جوهرها جزءا من آلية إعادة تشكيل أعلى سلطة تشريعية في منظمة التحرير الفلسطينية.

ومن هنا تبرز الإشكالية التي تستحق التوقف عندها ،إذ إن معظم قوى المعارضة الفلسطينية، رغم اعتراضها على النهج الأحادي في إصدار المراسيم، ورغم انتقادها للتعديلات القانونية التي صدرت بقرارات رئاسية، لم تعلن في المقابل رفضا صريحا لهذا البناء القانوني الجديد، كما لم يصدر عنها موقف واضح من النص الذي يربط عضوية المجلس التشريعي بعضوية المجلس الوطني. وفي الوقت ذاته، ما زالت تؤكد تأييدها المبدئي لإجراء الانتخابات الشاملة باعتبارها مدخلا لإنهاء الانقسام وتجديد الشرعيات.

غير أن الإشكالية لا تقف عند هذا الحد، لأن المراسيم والقرارات بقوة القانون لم تنشئ فقط آلية انتخابية جديدة، وإنما قدمت منظومة قانونية وسياسية متكاملة، يفترض بمن يريد معارضتها أو القبول بها أن يتعامل معها كوحدة واحدة، لا أن ينتقي منها ما يوافق خطابه السياسي ويغفل ما عداه.

لقد انصب اهتمام المعارضة الفلسطينية، في بياناتها وتصريحاتها، على رفض الانفراد في إصدار المراسيم، والمطالبة بالحوار الوطني، والدعوة إلى الشراكة السياسية، وهي مطالب لا يختلف اثنان على مشروعيتها. لكن السؤال الذي لم يطرح حتى الآن هو : هل يكفي الاعتراض على طريقة إصدار المراسيم، مع الصمت عن مضمونها؟ وهل يكفي إعلان تأييد الانتخابات دون مراجعة الإطار القانوني والسياسي الذي ستجرى في ظله؟

إن القراءة المتأنية للمراسيم والتعديلات القانونية تكشف أنها لا تنظم فقط عملية الاقتراع، وإنما تعيد تعريف جملة من المفاهيم الدستورية والسياسية التي تحكم النظام السياسي الفلسطيني. فهي تحدد من هو الناخب، ومن هو المرشح، وكيف تتشكل المؤسسات، وما هي العلاقة بين المجلس التشريعي والمجلس الوطني، وما هي المرجعيات القانونية التي تحكم العملية الانتخابية، وما هو الإطار السياسي الذي ستعمل داخله المؤسسات المنتخبة بعد إعلان النتائج.

وهنا يبرز أول سؤال ينبغي أن يوجه إلى قوى المعارضة الفلسطينية ... إذا كانت هذه القوى قد رفضت اتفاقيات أوسلو على امتداد سنوات طويلة، واعتبرت أنها قيدت المشروع الوطني الفلسطيني وحولت السلطة الفلسطينية إلى سلطة مقيدة بالاحتلال، فكيف تقرأ اليوم منظومة انتخابية ما زالت، في جوهرها، تتحرك داخل الإطار القانوني والسياسي الذي ولدته تلك الاتفاقيات؟ وهل يكفي الحديث عن إجراء انتخابات في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، دون مساءلة المرجعية التي تجعل هذه الجغرافيا وحدها ميدانا للعملية الانتخابية، بينما يبقى ملايين الفلسطينيين في الشتات خارج المعادلة الانتخابية المباشرة؟

إن السؤال هنا ليس رفضا للانتخابات، ولا إنكارا لأهمية تجديد الشرعيات، وإنما سؤال يتعلق بطبيعة الشرعية نفسها. فهل يجوز إعادة تشكيل مؤسسة وطنية جامعة، هي المجلس الوطني الفلسطيني، من خلال انتخابات تجري داخل حدود الولاية التي أنشأتها اتفاقيات أوسلو للسلطة الفلسطينية؟ وهل يمكن الجمع بين مؤسسة تمثل الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده، وبين مؤسسة ولدت أصلا لإدارة شؤون السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن ترتيبات سياسية وقانونية محددة؟

ولا يقل عن ذلك أهمية سؤال آخر يتعلق بما تضمنته التعديلات القانونية من مرجعيات سياسية وقانونية. فقد انشغلت المعارضة بمناقشة توقيت الانتخابات وآلياتها، لكنها لم تقدم حتى الآن موقفا واضحا من الاشتراطات السياسية التي تحيط بالعملية الانتخابية، ولا من الإحالات إلى الاتفاقيات الموقعة، ولا من المرجعيات التي تتحدث عن الالتزامات الدولية وقرارات الشرعية الدولية. فهل تعتبر هذه النصوص مجرد عبارات إنشائية لا أثر لها، أم أنها جزء من الإطار القانوني الذي سيقيد عمل المؤسسات المنتخبة مستقبلا؟ وإذا كانت المعارضة تعلن رفضها السياسي لهذه المرجعيات، فلماذا لا يظهر هذا الرفض بصورة صريحة في خطابها المتعلق بالمراسيم الانتخابية؟ 

ولا يقف الأمر عند حدود المرجعيات القانونية أو السياسية، بل يمتد إلى طبيعة التحول الذي أحدثته المراسيم في بنية النظام السياسي الفلسطيني. فالمعارضة الفلسطينية، وهي ترفع شعار الشراكة الوطنية وإعادة بناء منظمة التحرير، تبدو وكأنها لم تتوقف بما يكفي أمام أخطر ما جاءت به هذه المراسيم، وهو نقل جزء من عملية إعادة تشكيل المجلس الوطني إلى صندوق اقتراع المجلس التشريعي. وهذه ليست مسألة إجرائية، وإنما تحول دستوري وسياسي عميق، لأن المجلس الوطني، بوصفه برلمان منظمة التحرير، لم يكن في أي مرحلة من مراحل تطور النظام السياسي الفلسطيني امتدادا للمجلس التشريعي، ولا كانت عضويته نتيجة تلقائية لعضوية أي مؤسسة أخرى... إن خطورة هذا التحول لا تكمن فقط في مضمونه، وإنما في آثاره المستقبلية. فإذا جرت انتخابات المجلس التشريعي وفقا للمراسيم النافذة، فإن نتائجها لن تقتصر على تشكيل مؤسسة من مؤسسات السلطة الفلسطينية، بل ستنتج، بحكم القانون، أعضاء المجلس الوطني عن الضفة الغربية وقطاع غزة. وهنا يثور سؤال لا تستطيع المعارضة أن تتجاوزه .. هل يمكن الاعتراض على طريقة إصدار المرسوم، ثم القبول عمليا بأهم نتيجة رتبها؟ وهل يكفي القول إن المشاركة تهدف إلى تجديد الشرعيات، بينما يؤدي هذا التجديد، في الوقت ذاته، إلى إعادة تشكيل مؤسسة وطنية عليا وفق قواعد لم تحظ حتى الآن بإجماع وطني؟

ولعل اللافت أن الخطاب المعارض ركز بصورة شبه كاملة على ضرورة إجراء الانتخابات الشاملة، لكنه لم يوضح للرأي العام ما المقصود بهذه الشمولية. فهل تعني انتخابات للمجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني، كل وفق نظامه القانوني المستقل؟ أم تعني القبول بالصيغة الجديدة التي تجعل انتخابات المجلس التشريعي هي الطريق القانوني لتشكيل أعضاء المجلس الوطني عن الداخل الفلسطيني؟ إن الفرق بين الأمرين ليس لغويا، وإنما يمس جوهر النظام السياسي الفلسطيني... 

وإذا كانت المعارضة قد طالبت، بحق، بالحوار الوطني قبل إصدار المراسيم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو .. لماذا لم تجعل من إعادة النظر في النصوص المتعلقة بالمجلس الوطني شرطا أساسيا لهذا الحوار؟ ولماذا لم تعلن بوضوح أن إعادة بناء منظمة التحرير لا يمكن أن تتم من خلال نص قانوني يصدر بقرار رئاسي، وإنما من خلال توافق وطني شامل يحدد أولا طبيعة المجلس الوطني ووظيفته وآليات تشكيله؟

ثم إن الإشكالية لا تتعلق بالمجلس الوطني وحده، وإنما تمتد إلى الإطار السياسي الذي ستجرى فيه الانتخابات نفسها. فما زالت العملية الانتخابية، كما هو الحال منذ قيام السلطة الفلسطينية، مرتبطة بجغرافيا الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وهي الجغرافيا التي حددتها اتفاقيات أوسلو باعتبارها نطاق اختصاص السلطة الفلسطينية. وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية .. هل ما زالت المعارضة تعتبر أن هذا الإطار مؤقت فرضته مرحلة انتقالية انتهت منذ سنوات، أم أنها باتت تتعامل معه باعتباره الإطار الطبيعي والدائم للعملية السياسية الفلسطينية؟

لقد اعتادت قوى المعارضة، وعلى امتداد سنوات طويلة، انتقاد اتفاقيات أوسلو واعتبارها السبب الرئيس في تجزئة الأرض الفلسطينية، وفي الفصل بين مؤسسات منظمة التحرير ومؤسسات السلطة، وفي إخضاع القرار الوطني لجملة من الالتزامات السياسية والأمنية. لكن الملاحظ اليوم أن هذا النقد يكاد يغيب عندما يتعلق الأمر بالمراسيم الانتخابية، وكأن الانتخابات أصبحت قضية منفصلة عن السياق القانوني والسياسي الذي يحكمها...  

وينطبق الأمر ذاته على مدينة القدس. فمنذ سنوات، يتكرر الجدل ذاته حول مشاركة المقدسيين، وحول اشتراط موافقة الاحتلال على ترتيبات معينة لإجراء الانتخابات داخل المدينة. ومع كل استحقاق انتخابي، تعود الإرادة الإسرائيلية لتصبح عاملا حاسما في تقرير مصير العملية الانتخابية برمتها. ومع ذلك، لم تقدم المعارضة حتى الآن تصورا قانونيا أو سياسيا بديلا يتجاوز هذه المعضلة، أو يحرر الاستحقاق الوطني من الارتهان للموقف الإسرائيلي. فهل يعقل أن يبقى تشكيل مؤسسات الشعب الفلسطيني، بما فيها المجلس الوطني، رهنا بقرار الاحتلال؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فأين هو البديل الذي تدافع عنه القوى المعارضة؟

وتبرز هنا أيضا مسألة لا تقل أهمية، وهي قضية الفلسطينيين في الشتات. فإذا كان المجلس الوطني هو المؤسسة التي يفترض أن تمثل الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده، فكيف يمكن إعادة تشكيله عبر انتخابات تقتصر فعليا على الضفة الغربية وقطاع غزة، مع بقاء ملايين الفلسطينيين خارج العملية الانتخابية المباشرة؟ وهل يكفي الحديث عن حصص أو آليات تعيين لمعالجة هذا الخلل، أم أن الأمر يستدعي نقاشا وطنيا شاملا حول مفهوم التمثيل ذاته؟

إن هذه الأسئلة لا تستهدف التقليل من أهمية الانتخابات، ولا الطعن في نوايا القوى السياسية، وإنما تهدف إلى لفت الانتباه إلى أن المراسيم الأخيرة لا تنظم انتخابات فحسب، بل تؤسس لمرحلة جديدة في بنية النظام السياسي الفلسطيني. ومن ثم، فإن معارضتها أو تأييدها لا ينبغي أن يقتصر على الشعارات العامة، وإنما يجب أن يمتد إلى كل نص وكل أثر قانوني يترتب عليها...

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة أن يتحول الصمت إلى موقف، وأن يفسر غياب الاعتراض على بعض النصوص باعتباره قبولاً بها. فالقانون لا يقرأ النوايا، وإنما يقرأ الوقائع، والوقائع تقول إن المشاركة في أي عملية انتخابية تجري وفقا لمنظومة قانونية نافذة تعني، من الناحية العملية، التعامل مع آثارها، ما لم يعلن المشاركون تحفظاتهم بصورة واضحة وصريحة، أو يربطوا مشاركتهم بتعديل تلك النصوص قبل الشروع في تنفيذها... 

ولهذا، فإن المعارضة الفلسطينية مطالبة اليوم، قبل أن تطالب بإجراء الانتخابات، بأن تجيب عن أسئلة أكثر جوهرية .. هل تقبل باستمرار المرجعية القانونية والسياسية التي أفرزتها اتفاقيات أوسلو، ولو بصورة غير مباشرة؟ وهل تقبل بتحويل المجلس التشريعي إلى مدخل لإعادة تشكيل المجلس الوطني؟ وما هو موقفها من النصوص التي تستحضر الاتفاقيات الموقعة والمرجعيات الدولية باعتبارها جزءا من البيئة القانونية للعملية السياسية؟ ثم كيف توفق بين رفضها السياسي لهذه المرجعيات وبين استعدادها للمشاركة في عملية انتخابية تنظمها منظومة قانونية ما زالت تتحرك داخلها ..؟؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لم تعد ترفا فكريا، بل أصبحت ضرورة وطنية وقانونية، لأن القضية لم تعد قضية انتخابات فقط، وإنما قضية إعادة تعريف النظام السياسي الفلسطيني نفسه، وحدود العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وبين الشرعية الانتخابية والشرعية الوطنية، وبين متطلبات المرحلة الانتقالية التي أفرزتها أوسلو، واستحقاقات مشروع التحرر الوطني الذي يفترض أنه يتجاوزها لا أن يعيد إنتاجها بصورة جديدة...

ولعل ما يجعل هذه الأسئلة أكثر إلحاحا أن المرحلة الفلسطينية الراهنة لا تشبه المراحل السابقة. فالنظام السياسي الفلسطيني يعيش اليوم واحدة من أكثر لحظاته هشاشة منذ قيام السلطة الفلسطينية، فيما تعيش منظمة التحرير الفلسطينية أزمة تمثيل ووظيفة ودور، في ظل حرب مفتوحة على الوجود الفلسطيني، وتصاعد غير مسبوق في مشاريع الضم والتهجير والاستيطان، ومحاولات متواصلة لتصفية القضية الفلسطينية، لا سيما في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس المحتلة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يجوز التعامل مع النصوص القانونية بوصفها مجرد ترتيبات إجرائية، لأنها قد تتحول إلى أدوات لإعادة تشكيل النظام السياسي برمته.

ومن هنا، فإن القضية ليست في حق الرئيس بإصدار المراسيم أو في موقف هذا الفصيل أو ذاك منها، وإنما في أن المراسيم الأخيرة، بما تضمنته من تعديلات وقرارات بقوة القانون، تجاوزت تنظيم الانتخابات إلى إعادة صياغة العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وبين المجلس التشريعي والمجلس الوطني، وبين الشرعية الانتخابية والشرعية الوطنية. وهذه تحولات لا يكفي أن تمر عبر مرسوم رئاسي، ولا يجوز أن تصبح أمرا واقعا بمجرد أن تنشغل القوى السياسية بموعد الانتخابات أو شكلها، وتتغافل عن مضمونها وآثارها...

ولذلك، فإن النقد الموجه إلى المعارضة الفلسطينية لا ينطلق من رفضها للانتخابات أو من موقفها الداعي إلى تجديد الشرعيات، وإنما من اقتصار خطابها على المطالبة بإجراء الانتخابات، دون أن يرتقي إلى مساءلة المنظومة القانونية والسياسية التي ستجري الانتخابات في إطارها. فالمعارضة، وهي تطالب بالشراكة الوطنية، لم تقل لنا بصورة واضحة كيف تنظر إلى النص الذي يجعل أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين أعضاء في المجلس الوطني. ولم تقل لنا كيف يمكن التوفيق بين رفضها التاريخي لاتفاقيات أوسلو وبين المشاركة في عملية انتخابية ما زالت تتحرك داخل الإطار القانوني والسياسي الذي أفرزته تلك الاتفاقيات. ولم تقل لنا أيضا كيف ستتعامل مع الإحالات القانونية إلى الاتفاقيات الموقعة، أو مع المرجعيات التي تتحدث عن الشرعية الدولية، وهي المرجعيات التي شكلت، على امتداد العقود الماضية، أحد أهم محاور نقدها السياسي...

والأهم من ذلك كله، أن المعارضة لم تجب حتى الآن عن السؤال المتعلق بالشعب الفلسطيني نفسه. فإذا كان المجلس الوطني هو المؤسسة التي تمثل الفلسطينيين جميعا، فهل يكفي انتخاب أعضاء المجلس التشريعي في الضفة الغربية وقطاع غزة ليصبحوا، بحكم القانون، ممثلين للشعب الفلسطيني في المجلس الوطني؟ وأين يقف ملايين الفلسطينيين في الشتات من هذه المعادلة؟ وأين يقف الفلسطينيون في القدس إذا بقيت مشاركتهم، كما في كل مرة، رهينة موافقة الاحتلال أو رفضه؟ وهل يجوز أن يبقى تشكيل المؤسسة الوطنية العليا معلقا على الإرادة الإسرائيلية أو على القيود التي فرضتها مرحلة انتقالية كان يفترض أن تكون قد انتهت منذ سنوات؟

إن هذه الأسئلة لا تستهدف تسجيل نقاط سياسية على المعارضة، ولا تمنح، في المقابل، صك براءة للسلطة أو للمراسيم الرئاسية. فهي أسئلة موجهة إلى الجميع، لأنها تتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وبالطريقة التي يعاد بها تعريف مؤسساته الوطنية. غير أن مسؤولية المعارضة تبدو أكبر في هذه اللحظة، لأنها تقدم نفسها بوصفها حاملة لمشروع بديل، ومن الطبيعي أن ينتظر منها الفلسطينيون موقفا متكاملا من المنظومة القانونية الجديدة، لا موقفا جزئيا يرفض بعض نتائجها ويتجاوز نتائج أخرى لا تقل خطورة.

لقد أثبتت التجربة الفلسطينية، منذ اتفاقيات أوسلو وحتى اليوم، أن التحولات الكبرى لا تبدأ دائما بإعلانات سياسية صاخبة، وإنما تبدأ أحيانا بنصوص قانونية تبدو للوهلة الأولى تقنية أو إجرائية، ثم تتحول مع مرور الوقت إلى حقائق دستورية وسياسية يصعب تجاوزها... وما لم تلتفت القوى الفلسطينية، وفي مقدمتها قوى المعارضة، إلى هذه الحقيقة، فإنها قد تجد نفسها، من حيث أرادت مواجهة مسار سياسي معين، تساهم، من حيث لا تدري، في تكريس جزء من بنيته القانونية...

إن أخطر ما في المرحلة الراهنة ليس أن تختلف القوى الفلسطينية حول الانتخابات، فهذا خلاف مشروع، وإنما أن يجري اختزال النقاش الوطني في سؤال .. هل نجري الانتخابات أم لا؟ بينما السؤال الأهم يظل غائبا .. أي انتخابات نريد؟ وفي أي إطار قانوني وسياسي ستجري؟ وما هو النظام السياسي الذي ستنتجه؟ وهل سيقود إلى إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، أم إلى إعادة إنتاج البنية التي أفرزتها اتفاقيات أوسلو، ولكن بصياغات قانونية جديدة؟

وربما لهذا السبب، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد موقف من الانتخابات، بل مراجعة وطنية شاملة لكل المنظومة القانونية التي تحكمها، ولكل المراسيم والقرارات بقوة القانون التي أعادت رسم حدود العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وبين مؤسسات الحكم ومؤسسات التمثيل الوطني. فالمعركة الحقيقية لم تعد تدور حول صندوق الاقتراع، وإنما حول ما يسبقه من نصوص، وما ينتج عنه من آثار، وما يؤسس له من مستقبل...

وعندما يصبح القانون هو الأداة التي يعاد بها تشكيل السياسة، فإن الصمت عن النصوص لا يقل خطورة عن القبول بها، كما أن الاكتفاء بالمطالبة بالانتخابات، دون مساءلة النظام القانوني الذي يحكمها، قد يتحول إلى مشاركة غير مقصودة في صناعة واقع سياسي جديد، لا يعبر بالضرورة عن المشروع الوطني الذي تقول المعارضة إنها تدافع عنه. وهنا، تحديدا، تكمن الإشكالية التي لا يجوز أن تبقى خارج النقاش.