آراء

الشرق الأوسط .. بين مطرقة العثمانيين الجدد وسندان إيران

44 مشاهدة
الشرق الأوسط .. بين مطرقة العثمانيين الجدد وسندان إيران

الكاتبة : كريستين حنا نصر

منطقة الشرق الأوسط، كما يسجل التاريخ، هي المكان الذي انطلقت منه أولى الحضارات والشرائع، وكُتبت فيه أولى الحروف، وانطلقت منه الديانات السماوية. وتُعد هذه المنطقة مهد الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية، وأرض الأنبياء. ومنها انطلقت الفنون والعمارة والطب والفيزياء والموسيقى من بلاد ما بين النهرين، وكل هذه الحضارة الضاربة في التاريخ امتدت لتؤثر وتنير بعلمها وحضارتها جميع بلدان العالم لقرون طويلة.

وفي الشرق الأوسط، وتحديدًا في عصرنا الحالي، وللأسف، تحول المشهد إلى ساحة صراعات وحروب وانقلابات وخيانات للأوطان متعددة الأوجه، وإلى ربيع عربي تحول إلى خريف حارق أحرق الأخضر واليابس، وفكك اللُّحمة والوحدة الوطنية في هذه الدول، وأدى إلى حروب طائفية وعرقية وانقسامات زعزعت سيادة بعض الدول العربية، وتزايد ظهور ونفوذ التنظيمات الإرهابية، وتعسكر الثورات التي أطاحت بعض رؤساء بلدان الشرق الأوسط، وتحولها إلى فوضى وحروب وانقسامات. وكل هذه الاضطرابات، للأسف، مستمرة إلى يومنا هذا ولم تُحسم أو تنتهِ بعد.

وتحديدًا بعد تحالف بعض الأحزاب السياسية الدينية وتقويتها عسكريًا بتمويل خارجي، ومنها الأحزاب السياسية الدينية الشيعية المتمثلة بحزب الله في لبنان، وقوى ومحاور متحالفة معه في العراق وسوريا، والمدعومة من إيران، وتسليحها وإنشاء ميليشيات تنفذ أجنداتها في دول المشرق العربي. وكذلك الأحزاب السياسية الدينية السنية المتمثلة بجماعة الإخوان المسلمين المتواجدة في عدة دول عربية، والتي يتمثل هدفها الأساس في الوصول إلى الحكم في معظم الدول العربية. وجماعة الإخوان المسلمين المتواجدة حاليًا في الشرق الأوسط مدعومة ماليًا وعقائديًا من الدولة التركية بقيادة الرئيس أردوغان، والتي أصبحت مركزهم الأساس في تركيا، حيث يجتمعون هناك مرة في السنة في اجتماعات مغلقة وسرية.

نعتز نحن العرب، سكان الشرق الأوسط، باستقلالنا، وتحديدًا بارتباط الهاشميين بتاريخ حضاري عريق في تأسيس حرية هذا الشرق الأوسط العربي. فقد استطاع المغفور له الشريف الحسين بن علي، وبعد توليه إمارة مكة، ضبط زمام الأمور فيها وتوثيق صلته بالعشائر العربية المتعددة في الحجاز، والتي توحدت مع أحرار العرب في معظم بلاد الشام والمشرق العربي، وشكلت نواة جيش الثورة العربية الكبرى، مع إطلاق الشريف الحسين رصاصتها الأولى في العاشر من حزيران عام 1916 لتحرير البلاد من الحكم العثماني.

وقد كانت هذه الثورة المجيدة تحت إشراف وقيادة أبناء الشريف الحسين: الأمراء علي وفيصل وعبدالله وزيد، وكان شعار الثورة العربية الكبرى: «الحياة الفضلى والوحدة والحرية والاستقلال». ولولا هذه الثورة والنهضة العربية لبقيت الدول العربية تحت الحكم العثماني حتى اليوم.

وقد ارتكب العثمانيون مجازر موثقة بحق الإنسانية والعرب، وتحديدًا المسيحيين العرب، منها أحداث عام 1860 في جبل لبنان ودمشق، ومذابح سيفو (الإبادة الجماعية الآشورية والسريانية عام 1915)، ومجازر ديار بكر، والمجازر الحميدية (1894–1896)، ومجاعة جبل لبنان (1915–1918)، وإعدامات ساحة الشهداء في بيروت ودمشق (1915–1916)، وكذلك المجازر بحق الأرمن (1915–1916).

وللأسف، في عصرنا هذا، يسعى الإعلام العثماني إلى نشر مقاطع فيديو على موقع يوتيوب ومنشورات على فيسبوك لتشويه سمعة بني هاشم الأشراف، وتشويه سمعة الشريف الحسين بن علي والملك المؤسس عبدالله الأول، واتهامهم بالخيانة ووصفهم بالخونة، مستخدمًا أبواق الأحزاب السياسية الدينية الإسلامية في الشرق الأوسط، المدعومة والمتحالفة حاليًا مع الدولة التركية.

وبالطبع، تأتي هذه الاتهامات للهاشميين الأشراف متوازية مع الأطماع التركية الحالية الساعية إلى إعادة أمجاد الحكم العثماني في الدول العربية، والمتمثلة في عدة تصريحات للرئيس أردوغان حول إعادة خرائط «الميثاق الملّي» في الشرق الأوسط، والسعي إلى إعادة الحكم العثماني على الأراضي العربية وتطبيق تلك الخرائط على أرض الواقع.

وقد بات ذلك واضحًا وملموسًا في سوريا من خلال تواجد الجيش التركي على الأراضي السورية خلال فترة حكم بشار الأسد، والعمليات العسكرية والاجتياحات التركية لمنطقة الشرق السوري، ومنها عملية «درع الفرات» (آب 2016 – آذار 2017)، وتوغل الجيش التركي في ريف حلب، وسيطرة الفصائل المدعومة منه على جرابلس والباب وأعزاز، وتعيين مسؤولين وإدارات مرتبطة بتركيا هناك.

كما شملت تلك العمليات عملية «غصن الزيتون» (كانون الثاني – آذار 2018)، التي انتهت بالسيطرة على مدينة عفرين شمال غربي حلب، وعملية «نبع السلام» (تشرين الأول 2019)، وغيرها من العمليات والضربات الجوية، ومنها عملية «مخلب السيف» (تشرين الثاني 2022).

ومؤخرًا، برز الحديث عن سعي تركي إلى استعادة عقارات وأراضٍ كانت تابعة للدولة العثمانية قبل نحو 500 عام في سوريا، خلال فترة حكم الرئيس أحمد الشرع، من خلال الرجوع إلى الأرشيف العثماني، والسعي إلى استرجاع نحو 8000 عقار في مدينة دمشق، منها عقارات في سوق الحميدية والقيمرية والميدان والشاغور والبزورية وسوق الحدادين وسوق الهال القديم، إضافة إلى عقارات أخرى في مدينة حلب، حيث يتكون كل عقار من سلسلة من الدكاكين، إلى جانب نحو 1800 عقار آخر في حلب.

ومن الممكن، إذا تمكنت تركيا من زعزعة الحكم في المملكة الأردنية الهاشمية - لا سمح الله - ومع تحالفها مع الأحزاب السياسية الدينية التي تدعمها حاليًا، أن تسعى للاستيلاء على أملاك عثمانية كما هو الحال في سوريا.

لكن بعد تأسيس إمارة شرق الأردن في عهد الملك المؤسس عبدالله الأول - رحمه الله - عام 1921، بدأت الحكومة الأردنية بعمليات تسوية للأراضي وتسجيلها وفق قانون تسوية الأراضي والمياه رقم (40) لسنة 1952، وأُلغي العمل بالقواشين العثمانية كسندات تسجيل رسمية.

إن هذه التحركات التركية في البلدان العربية تعكس، بحسب هذا الطرح، الأطماع التركية الحالية الرامية إلى إعادة النفوذ العثماني في المنطقة من خلال تطبيق خرائط الميثاق الملّي، والتي صرّح بها الرئيس التركي في مناسبات إعلامية مختلفة. وقد بدا ذلك واضحًا منذ بداية الأزمة السورية مع تزايد النفوذ التركي حتى يومنا هذا، وتوسع هذه الأطماع في دول عربية أخرى مثل ليبيا وشمال العراق.

كما تستخدم تركيا، وفق هذا الطرح، جماعة الإخوان المسلمين للتدخل في شؤون البلدان العربية، وتسليح مجموعات مسلحة لخدمة أهدافها، بحجة إسقاط الأنظمة الديكتاتورية كما حدث خلال مظاهرات الربيع العربي، وإنشاء نقاط عسكرية تركية تهدف، بحسب الرؤية المطروحة، إلى تعزيز النفوذ والسيطرة، كما هو الحال في شمال سوريا، ولا سيما في مدن عفرين وجرابلس والباب.

بين مطرقة العثمانيين الجدد وسندان إيران، يبقى الشرق الأوسط، للأسف، مهددًا بمحاولات الهيمنة عليه، وزعزعة أنظمته السياسية، والسيطرة على دوله. وكل هذا المخاض الذي تمر به بلدان المنطقة يطرح تساؤلًا مهمًا: ماذا ستكون نتائجه النهائية؟

وبالمقابل، تسعى الدول التي تعاني من النفوذ الإيراني وتطبيق مفهوم ولاية الفقيه إلى تحرير نفسها من قبضة الميليشيات المسلحة، وتحويل الولاء إلى الدولة الوطنية بدلًا من الولاءات الخارجية، كما هو الحال في العراق ولبنان، حيث تسعى هذه الدول إلى تقويض أذرع إيران وفرض سيادة الجيش والدولة على أراضيها.

وتبعًا للأحداث التي حصلت مؤخرًا، وفي خضم الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من استهدافات لمواقع حساسة وحيوية في بعض دول الخليج، برزت مخاوف متزايدة من اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على الأمن الإقليمي.

وفي المقابل، نشأت في بعض الدول العربية المهددة بمحاولات زعزعة الاستقرار حملات تستهدف تاريخها ورموزها الوطنية، كما هو الحال مع محاولات تشويه تاريخ الهاشميين ودورهم في انطلاق الثورة العربية الكبرى ونجاحها في تحرير البلاد العربية من الحكم العثماني.

ومن هنا، يصبح من الضروري التمسك أولًا بالوحدة الوطنية، وعدم الانجرار إلى خطاب الكراهية الذي يسود مؤخرًا في بعض الدول العربية، ولا سيما بين مكونات المجتمع المختلفة، وفي مقدمتها العشائر العربية المسيحية والعشائر المسلمة التي توحدت عبر التاريخ في مواجهة الغزاة.

كما ينبغي رفض أي محاولات لإشعال حروب دينية أو طائفية مدعومة من الخارج بهدف زعزعة الثقة بالدولة ومؤسساتها، أو استنساخ مشاهد الفوضى التي رافقت الربيع العربي، والذي تحول - وفق رؤية كثيرين - إلى خريف دموي عربي، وما زالت البلدان العربية تدفع ثمن تبعاته حتى اليوم في منطقة الشرق الأوسط.