الكاتب: عبد العظيم عبد الحق حسن
منذ انتهاء المؤتمر الثامن لحركة حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، يدور سجال واسع بين أبناء الحركة حول العضوية والمعايير والإجراءات والنتائج. وقد بلغ الغضب ببعض الإخوة حد إعلان القطيعة مع الحركة أو التعبير عن الإحباط الشديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومن حق كل فتحاوي أن ينتقد، ومن حقه أن يغضب، ومن حقه أن يعترض على ما يراه خطأً أو مخالفةً للأصول التنظيمية. بل إن النقد الصادق هو أحد شروط بقاء الحركات الحية واستمرارها.
لكن السؤال الأهم ليس: هل وقعت أخطاء؟ بل: كيف نتعامل مع هذه الأخطاء؟
لا أعتقد أن أحداً يستطيع الادعاء بأن المؤتمر كان مثالياً أو خالياً من الثغرات. وهناك ملاحظات حقيقية على معايير العضوية وعلى بعض الإجراءات التنظيمية التي رافقته. لكن في المقابل يجب أن نتذكر أن شعبنا وقضيته يمران بمرحلة هي من أخطر المراحل في تاريخهما الحديث. فالقضية الفلسطينية تواجه ضغوطاً غير مسبوقة، وشعبنا يعيش مأساة مستمرة، فيما تتعرض الحقوق الوطنية لمحاولات تصفية واستهداف على أكثر من مستوى. وفي مثل هذه الظروف كان انعقاد المؤتمر ضرورة وطنية وتنظيمية، حتى مع وجود النواقص والأخطاء التي ينبغي مراجعتها ومعالجتها.
إن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن نقع فيه اليوم هو أن نختزل فتح كلها في مؤتمر، أو في نتيجة انتخابات، أو في فوز شخص وخسارة آخر. ففتح لم تكن في يوم من الأيام مجرد لجنة مركزية أو مجلس ثوري أو مؤتمر عام. فتح هي الحركة الوطنية الفلسطينية التي استطاعت أن تجمع تحت رايتها أبناء هذا الشعب على اختلاف مشاربهم الفكرية والاجتماعية والسياسية، وأن توفر الإطار الوطني الجامع لمواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني.
لقد تعرضت فتح عبر تاريخها الطويل لأزمات وانشقاقات وخلافات ربما كانت أشد خطورة مما نعيشه اليوم. فمنذ أحداث عام 1983 بعد معركة بيروت، وما سمي لاحقا فتح الانتفاضه، وما تبعها من انشقاقات، وما سمي بالحركه الاصلاحية من خلال ابو الزعيم في الارن ، مروراً بأزمات متعددة شهدتها الحركة في مراحل مختلفة، وصولاً إلى الخلافات والاستقالات وما عرف بمجموعة محمد دحلان مؤخرا ، حيث ظن كثيرون في كل مرة أن فتح انتهت أو أنها لن تتجاوز أزمتها. لكنها كانت تنهض من جديد.
ولم يكن سر بقائها أن قياداتها كانت معصومة من الخطأ، ولا أن مؤسساتها كانت كاملة. بل كان سر بقائها في وعي كوادرها ومناضليها، وفي إدراكهم أن إصلاح الحركة لا يكون بالخروج منها، ولا بإعلان القطيعة معها، وإنما بالنضال داخلها ومن أجلها.
لم ينجح أحد في إصلاح فتح من خارجها، ولم تنجح القطيعة معها في بناء بديل وطني قادر على حمل المشروع الفلسطيني. ولذلك فإن الغضب مفهوم، والاعتراض مشروع، لكن العلاج لا يكون بالانسحاب من الميدان، بل بتحمل المسؤولية والعمل على تصحيح الخلل حيث يوجد الخلل.
واليوم تقع على عاتق القيادة الجديدة مسؤولية استثنائية. فالفوز بعضوية اللجنة المركزية أو المجلس الثوري ليس امتيازاً شخصياً، بل تكليف ثقيل في لحظة وطنية بالغة الخطورة. والقيادة الجديدة أمام اختبار تاريخي حقيقي: إما أن ترتقي إلى مستوى التحديات فتتحول إلى قيادة وطنية يلتف حولها شعبها، وإما أن تعجز عن ذلك فتفقد ثقة الجماهير.
إن شعبنا لا ينتظر من قيادته احتفالات النصر ولا تبادل التهاني، بل ينتظر أفعالاً ملموسة. ينتظر منها أن تبذل كل ما تستطيع من أجل وقف المأساة التي يعيشها أهلنا في غزة، وأن تدافع عن حقوق أسر الشهداء والأسرى والجرحى، وأن تتصدى لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية، وأن تحافظ على الثوابت الوطنية التي قدم شعبنا من أجلها التضحيات الجسام.
وسيبقى المعيار الذي تُقاس به أي قيادة فلسطينياً ووطنياً هو مدى التزامها بهدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار وحدة سياسية وجغرافية تجمع غزة والضفة والقدس تحت راية وطنية واحدة.
أما الشباب الفتحاوي، فهم اليوم أكثر من مجرد جيل جديد داخل الحركة. إنهم صمام الأمان الحقيقي للمشروع الوطني الفلسطيني. وعليهم أن يدركوا أن دورهم لا يقتصر على المنافسة التنظيمية أو السعي إلى المواقع، بل يتمثل في حماية الأمانة الوطنية التي حملتها فتح منذ انطلاقتها، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ومنع أي انحراف عن أهدافه الوطنية المشروعة.
ومن هنا فإن العلاقة بين الإصلاح التنظيمي والوحدة الوطنية ليست علاقة متناقضة، بل علاقة تكامل. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بالحفاظ على وحدة الحركة وتعزيز تماسكها الداخلي. وأبناء فتح، مهما اختلفوا أو عتبوا أو غضبوا، مطالبون بالحفاظ على وحدة بيتهم التنظيمي، لأن فتح الموحدة هي الشرط الأول لاستمرار دورها الوطني.
كما أن أي حديث عن الوحدة الوطنية الفلسطينية يجب أن يستند إلى برنامج سياسي واضح وواقعي وإلى مرجعية وطنية جامعة تتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها. فالقضية الفلسطينية لا تحتمل المزيد من إهدار الوقت في الصراعات والشعارات التي لا تترجم إلى برامج قابلة للتحقيق، ولا يمكن أن تستعيد قوتها إلا ضمن مشروع وطني جامع يحظى بالإجماع الوطني ويستند إلى الممكن السياسي والنضالي الذي يخدم مصالح الشعب الفلسطيني.
لقد مرت على فتح عواصف كثيرة، وواجهت أمواجاً أعلى من تلك التي تواجهها اليوم. والسفينة التي صمدت كل هذه العقود ليست سفينة بلا أخطاء، لكنها ما زالت تحمل المشروع الوطني الفلسطيني. ولذلك فإن ظهور الأمواج لا يدعونا إلى مغادرة السفينة، بل إلى التمسك بها أكثر، والعمل على إصلاحها وتقويتها حتى تعبر هذه المرحلة الصعبة كما عبرت ما قبلها.
إن فلسطين اليوم تحتاج إلى فتح قوية، موحدة، واثقة بنفسها، وقادرة على المراجعة والإصلاح. وتحتاج إلى فتحاويين يختلفون بعقل، وينتقدون بمسؤولية، ويتمسكون بحركتهم حتى وهم يسعون إلى تغييرها نحو الأفضل.
فالقضية أكبر من الأشخاص، وأكبر من المواقع، وأكبر من نتائج أي مؤتمر. أما فتح، فستبقى ما بقي شعب فلسطين يبحث عن الحرية والاستقلال والعودة والدولة والقدس.
*أسير محرر في الصفقة الاخيرة يقبع في القاهرة



