الكاتبة : غدير فوزي جابر
يُشكّل التعليم في مدينة القدس أحد أهم ميادين الصراع المفتوح مع الاحتلال الإسرائيلي، ليس باعتباره قطاعاً خدماتياً فحسب، بل لأنه يمثل معركة مباشرة على الوعي والهوية والانتماء الوطني والثقافي والديني لأبناء شعبنا الفلسطيني في العاصمة المحتلة. فمنذ احتلال القدس عام 1967، لم تتوقف محاولات الاحتلال الرامية إلى السيطرة على النظام التعليمي الفلسطيني وتفريغه من مضمونه الوطني، عبر سياسات ممنهجة تستهدف الطالب والمعلم والمدرسة والمنهاج على حد سواء.
إن الاحتلال يدرك جيداً أن المدرسة الفلسطينية في القدس ليست مجرد مكان للتعليم، بل هي حاضنة للهوية الوطنية وقلعة من قلاع الصمود المقدسي، ولذلك يسعى بشكل متواصل إلى ضرب هذه المنظومة وإخضاعها لأجندته السياسية والأمنية والثقافية، ضمن مشروع تهويدي شامل يستهدف المدينة ومقدساتها ووجودها العربي الفلسطيني.
وفي مقدمة هذه المخاطر تأتي قضية تهويد المناهج التعليمية، حيث تواصل سلطات الاحتلال فرض سياسة الابتزاز المالي والإداري على المدارس الفلسطينية من أجل إجبارها على اعتماد المنهاج الإسرائيلي أو النسخ المحرّفة من المنهاج الفلسطيني، بعد حذف كل ما يتعلق بالرواية الوطنية الفلسطينية، والقدس، والأسرى، والشهداء، والهوية التاريخية للشعب الفلسطيني. إن هذه السياسة لا تستهدف الكتب المدرسية فقط، بل تستهدف الذاكرة الجمعية للأجيال الفلسطينية، وتحاول صناعة جيل منزوع الانتماء ومشوّه الوعي.
وقد مارست سلطات الاحتلال ضغوطاً هائلة على إدارات المدارس والأهالي والمعلمين، من خلال التهديد بإغلاق المدارس أو حرمانها من التراخيص والميزانيات إذا رفضت الانصياع لهذه السياسات، الأمر الذي يُعد انتهاكاً صارخاً لكافة القوانين والاتفاقيات الدولية التي تكفل حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في الحفاظ على مناهجها وثقافتها الوطنية.
وفي هذا السياق كانت وزارة المعارف الاسرائيلية قد اكدت في وقت سابق ، انه لن يتم منح تصاريح دخول الى القدس للمعلمين االذين يحملون هوية الضفة الغربية في السنة الدراسية المقبلة، وهو ما يعني عملية فصل عنصري ومقدمة لاستبدلاهم بمدرسين بمواصفات وشروط تفرضها سلطات الاحتلال . وتهدف هذه الرسالة في هذه المرحلة إلى إتاحة وقت كافٍ لهم للاستعداد المسبق لمرحلة جديدة ولكنها بالتاكيد مرحلة قاسية وصعبة .
اما خريجو الجامعات الفلسطينية دفعة العام 2024 وما بعدها فلن يتم الاعتراف بها للتدريس في مدارس البلدية والمعارف الاسرائيلية وهذا القرار ايضا ينطبق على التعيينات في المدارس الخاصة الحاصلة على ترخيص من البلدية ، علما ان البلدية الاسرائيلية اصبحت تتدخل في التعينات اذ يجب ان يحصل المعلم على مواففه امنية اسرائيلية ليتم تعينه في اي مدرسة سواء بلدية او خاص’ .
ولا تفوتنا الاشارة هنا الى ماجرى من غلاق لمدراس وكالة الغوث في مخيمات القدس والمصيبة الكبرى التي تنتظر معهد التدريب المهني في مخيم قلنديا حيث سيتم انهاء وجود هذا الصرح المهني التاريخي في اطار مخطط انهاء وجود وكالة الغوث كرمز سياسي لقضية اللاجئيين التي تتعرض الان واكثر من اي وقت مضى لعملية تصفية بالتدريج .
إلى جانب ذلك، تتعرض المدارس الفلسطينية في القدس لسلسلة متواصلة من الاعتداءات والانتهاكات اليومية، تشمل اقتحام المدارس، والاعتداء على الطلبة والمعلمين، واستدعاء الإدارات للتحقيق، وفرض الغرامات، وملاحقة الأنشطة الوطنية والثقافية داخل المؤسسات التعليمية. ولم تعد المدرسة في القدس مكاناً آمناً للطالب، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع قوات الاحتلال.
كما يشهد الواقع التعليمي في القدس تصاعداً خطيراً في سياسة اعتقال الطلبة والقاصرين، حيث يتعرض العديد من الطلبة للاعتقال خلال توجههم إلى مدارسهم أو أثناء عودتهم إلى منازلهم، إضافة إلى الاعتداءات الجسدية والنفسية التي تمارس بحقهم خلال التحقيق والاحتجاز. وتترك هذه السياسات آثاراً نفسية واجتماعية خطيرة على الأطفال المقدسيين، الذين يعيشون يومياً حالة من الخوف والقلق والاستهداف المباشر.
ولم يسلم المعلمون أيضاً من هذه الممارسات، إذ يتعرض عدد منهم للملاحقة والاستدعاءات والمنع من العمل أو الوصول إلى مدارسهم، في محاولة لكسر دور المعلم الوطني والتربوي داخل المجتمع المقدسي. فالاحتلال يدرك أن المعلم الفلسطيني يحمل رسالة وطنية وثقافية تتجاوز حدود التعليم التقليدي، ولذلك يسعى إلى تحجيم دوره وإخضاعه للرقابة والترهيب.
ومن أخطر السياسات التي تواجه قطاع التعليم في القدس، سياسة الحرمان من الوصول إلى المدارس العربية، خاصة بالنسبة للطلبة القادمين من المناطق الواقعة خلف الجدار أو من بلدات القدس المحاصرة بالحواجز العسكرية. فالحواجز والإغلاقات والتفتيش اليومي تؤدي إلى تأخير الطلبة والمعلمين وإعاقة وصولهم إلى مدارسهم، ما ينعكس سلباً على العملية التعليمية والاستقرار النفسي للطلبة.
كما تعاني المدارس الفلسطينية من اكتظاظ شديد ونقص حاد في الغرف الصفية والبنى التحتية، نتيجة السياسات الإسرائيلية المتعمدة التي تمنع بناء مدارس جديدة أو توسعة القائم منها، في إطار سياسة التضييق الممنهج على الوجود الفلسطيني في المدينة. وفي المقابل، تُمنح المدارس التابعة للاحتلال كافة أشكال الدعم والتطوير، في صورة واضحة من صور التمييز العنصري.
إن ما يجري في القدس ليس أزمة تعليمية عابرة، بل هو استهداف سياسي وثقافي ممنهج يرمي إلى تفكيك الهوية الوطنية الفلسطينية وضرب مقومات الصمود المقدسي. ومن هنا، فإن مسؤولية حماية التعليم في القدس لا تقع على المقدسيين وحدهم، بل هي مسؤولية وطنية وقومية وإنسانية شاملة، تتطلب تحركاً جاداً من القيادة الفلسطينية والمؤسسات الرسمية والأهلية العربية والإسلامية والدولية.
إن المطلوب اليوم هو توفير الدعم المالي والسياسي والقانوني للمدارس الفلسطينية في القدس، وتعزيز صمود المعلمين والطلبة، وفضح ممارسات الاحتلال أمام المؤسسات الدولية، والعمل على حماية المنهاج الفلسطيني باعتباره جزءاً من السيادة الثقافية والوطنية للشعب الفلسطيني.
فالقدس التي تخوض معركة الوجود والهوية تحتاج إلى حماية مدارسها كما تحتاج إلى حماية مقدساتها، لأن الاحتلال يدرك أن السيطرة على التعليم تعني السيطرة على المستقبل، فيما يؤمن المقدسيون أن الحفاظ على التعليم الوطني هو أحد أهم أشكال المقاومة والصمود والبقاء في المدينة المقدسة.
وسيظل الطلبة والمعلمون والمؤسسات التعليمية في القدس خط الدفاع الأول عن الهوية الفلسطينية، مهما اشتدت سياسات القمع والتهويد، لأن القدس كانت وستبقى عربية فلسطينية، وأن التعليم فيها سيبقى عنواناً للوعي والانتماء والصمود الوطني.
*مسؤولة ملف التعليم في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس



