الكاتب : اياد ابو روك
كتبنا كثيرا وصرخنا طويلا وحللنا الاحداث كما يفعل السياسيون والمفكرون وصرحنا كما يصرخ الانسان في البوق في قلب صحراء قاحلة لا صدى فيها ولا اذن تسمع العالم تغير على اول امتحان حقيقي للاإنسانية سقطت الاقنعة وانكشفت الشعارات وصار الدم الفلسطيني ارخص من اي شيء في هذا الكون .
منذ نكبة 1948 ونحن في معركة مستمرة لم تتوقف يوما خسرنا الارض لكن لم نخسر الذاكرة خسرنا البيوت لكن لم نخسر الحنين خسرنا السيادة لكن لم نخسر الكرامة ورغم الهجرات المتكررة من فلسطين الى الشتات ومن الشتات الى المنافي البعيدة بقينا نحمل في قلوبنا الوطن كصورة مقدسة لا تهتز لا تشيخ ولا تنسى .
اليوم يعيش الفلسطيني في المنفى اشد لحظاته قسوة والما فمع كل صاروخ يسقط في غزة ومع كل طفل ينتشل من تحت الركام ومع كل ام تودع ابناءها مرة واحدة نشعر نحن في الخارج وكأن شيئا في ارواحنا ينكسر ليس الغياب عن الوطن هو المؤلم فقط بل العجز عن حمايته عن الدفاع عنه عن تقديم ما يليق به من وفاء ودمع واحتضان .
في المهجر نحن لسنا بعيدين لا المسافات ولا الحدود ولا الجنسيات الجديدة قادرة على فصلنا عما يحدث في فلسطين نحن نعيش التفاصيل نتابع الاخبار لحظة بلحظة نعرف اسماء الشهداء ونتعرف على وجوههم من الصور المتداولة نسمع صرخات الامهات وكأنها تخرج من نوافذ منازلنا نشاهد البيوت تقصف فنشعر كأنها منازلنا نحن .
كل لاجئ فلسطيني في الغرب يحمل فلسطين في قلبه لا كرمز فقط بل كذاكرة حية تنبض اسماء القرى حكايات الاجداد مفاتيح البيوت التي لم تفتح منذ اكثر من سبعين عاما الاغاني القديمة الصور الباهتة كلها تعيش معنا وكأنها امس .
لكن مع كل مجزرة كل عدوان كل خذلان دولي تتعاظم مشاعر العجز فينا كيف يمكن ان ينام المرء في سرير دافئ وهو يعلم ان طفلا هناك في غزة ينام على ركام كيف يمكننا ان نأكل طعامنا ونحن نعلم ان هناك من يبحث عن بقايا الخبز بين الانقاض كيف يمكننا ان نعيش الحياة العادية بينما الوطن يباد ؟.
ورغم هذا الضعف الداخلي ورغم هذه الاحزان الثقيلة نظهر امام العالم اقوياء نبتسم كي لا ينهار ابناؤنا ونتكلم بثقة كي لا يقال اننا انكسرنا نزرع في اطفالنا الحلم رغم الخراب ونحافظ على صورتنا كأناس متماسكين لاننا نعلم ان المعركة لم تنته وان البقاء في الوعي العالمي مقاومة كما البقاء في الارض مقاومة .
الفلسطيني في المنفى يعيش بين تناقضين هو في بلد يمنحه الامان والاستقرار لكنه لا يشعر بالانتماء الكامل هو في حياة جديدة لكنه لا يستطيع ان ينسى الاولى هو ناج من الجغرافيا لكنه اسير التاريخ كل خطوة يخطوها في الشارع كل نجاح يحققه كل طفل يربيه هو جزء من معركته المستمرة لحفظ الوجود والهوية .
نحن اليوم لا نطلب من العالم ان يبكي معنا بل نطلب فقط ان يرى الحقيقة كما هي شعب يباد ببطء يقصف يهجر ويشيطن في وسائل الاعلام ومع ذلك لا يتوقف عن الحياة عن الحب عن الامل عن التمسك بحق العودة
قبل اسابيع قليلة وبينما كنت انتظر القطار في محطة نرويجية هادئة لفت انتباهي شاب يقف وحده ملفوفا بكوفية فلسطينية بيضاء وسوداء كانت تلمع وسط برد المكان وحياده الصارخ تقدم نحوي بهدوء وكأن بيننا معرفة قديمة دون ان نتبادل سوى التحية العربية التي انطلقت من بين شفتيه بلكنة خفيفة وصوت دافئ اخبرني انه فلسطيني لكنه لم يولد في فلسطين لم تطأ قدماه ارضها ولا رأى بحارها او قراها لكنه يشعر بها كما يشعر الانسان بضربات قلبه التي لا يراها ولا يشك في وجودها .
ولد في النرويج وعاش حياته كلها هنا لكن ذاكرته لا تسكن هذه البلاد الباردة بل تعيش في ازقة نابلس في حجارة القدس في سهل مرج بن عامر في روايات ابيه وصور جده الباهتة كان جده فلاحا نزح يوم نزعت الارض عن اهلها وترك الزيتون دون يد ترعاه وروى لابنه قصصا صارت مع الوقت طقوسا مقدسة في البيت تنقل من جيل الى جيل .
كان الشاب يرتدي الكوفية كل يوم كما يرتدي الانسان شيئا لا يفرط فيه لأنها الشيء الوحيد الذي يجعله يشعر بالانتماء لمكان لم يره لكنها تعني له كل شيء يتابع ما يحدث في غزة ويشعر ان شيئا في داخله ينهار يبكي في صمته لا يجد الكلمات الكافية ليشرح لأصدقائه في المدرسة او العمل ما يعنيه ان تشعر بالانتماء لوطن تحمله في دمك لكنه غائب عن جغرافيتها.
كان يحمل في صوته الما ناعما لم يتحول الى شكوى بل بقي ساكنا مثل الحنين قال انه يرى فلسطين في احلامه ، يمشي في دروب لا يعرفها ويتحدث مع اطفال لم يلتقهم لكنه يعرفهم واحدا واحدا كأن الروح تعرف ما لا تعرفه العين .
وحين اقترب موعد القطار لوح بيده ومضى كأنه غادر فجأة تاركا اثرا عميقا في قلبي لم تكن تلك لحظة عابرة بل كانت لقاء مع فلسطين نفسها مجسدة في شاب ولد في منفى بارد لكنه ظل دافئ الانتماء صلب الهوية
ذلك الشاب لم يكن فردا عاديا بل كان صورة من الاف الفلسطينيين الذين ولدوا في الشتات لكنهم لم ينسوا ولم يتخلوا وظلوا يحيون الحكاية كل يوم بطريقتهم الخاصة هذا الجيل الذي رغم البعد يحمل الحلم ويؤمن بالوعد ويعيش تفاصيل المعركة وان لم يرها .



