الكاتب: هاني سميرات
منذ اندلاع شرارة الكفاح الإنساني ضد قوى الظلم عبر التاريخ الإنساني ظل سؤال الربح والخسارة أحد أكثر المفاهيم اثارة للجدل والاختلاف في التقييم والتحليل والفهم. ورغم بساطة السؤال: "من الرابح؟ ومن الخاسر؟ في السياق التحرري، إلا أن الإجابة عليه ظلت معلقة على السياق، وعلى زوايا النظر وعدسات المحللين، بل وعلى الرواية التي يعتمدها كل طرف في تفسير الواقع. في هذا الإطار يأتي سؤال الربح والخسارة في المشروع التحرري الفلسطيني كأحد أكثر الأسئلة الحاحا في المرحلة الراهنة، حيث تلتقي الوقائع السياسية بالتاريخ الحقيقي، وتصطدم الحسابات العقلانية بصرخات المقهورين التي تجاوزت حد الفهم والاستيعاب والتحمل.
ففي أعقاب السابع من أكتوبر2023 ، ومع تصاعد الكارثة الإنسانية في غزة والتي بلغت ذروتها من إبادة جماعية وتطهير عرقي ودمار يعيدنا الى مشاهد الحرب العالمية الأولى والثانية ، سارع كثير من المحللين السياسيين والخبراء الاستراتيجيين إلى إصدار أحكام سريعة حول ميزان "الربح والخسارة" في هذا الاشتباك الدامي من الصراع الوجودي مع الاحتلال ، بعضهم اكتفى بأرقام الشهداء أو برصد حجم الدمار أو بتوثيق حجم التراجع الدبلوماسي والمالي للسلطة الفلسطينية ليخرج باستنتاجات قاطعة مفادها اننا كفلسطينيين خسرنا " لكن هؤلاء في الغالب، تجاهلوا أو قللوا من الأبعاد العميقة لهذه الحرب ، سواء فيما يتعلق بإعادة إحياء القضية في الضمير العالمي، أو في تحريك المياه الراكدة داخل النظام العالمي ، وادخل النظام السياسي الفلسطيني ، أو حتى في فرض أسئلة مصيرية طال تأجيلها عن مستقبل المشروع الوطني .
في هذه المقالة، نحاول إعادة مساءلة هذا المفهوم: ما معنى الربح والخسارة في سياق تحرري؟ ما الذي تعلمناه من تجارب الشعوب الأخرى؟ كيف ساهم مفكرون كبار في كسر التفسير الكلاسيكي لهذا المفهوم؟ وما الذي يجعل التجربة الفلسطينية بحاجة إلى إعادة تعريف الربح والخسارة بعيون فلسطينية، لا بأدوات الخصم؟
فعبر تاريخ حركات التحرر، ظل مفهوم الربح والخسارة موضوعا مركزيا في تنظير المفكرين والمناضلين حول العالم حيث لم ينظر إلى الربح كمعطى مادي أو نصر عسكري فحسب، بل كبناء تراكمي للوعي، وتحقيق العدالة، واستعادة الكرامة.
في هذا السياق، يعد فرانز فانون من أوائل من أعادوا تعريف الربح في السياق التحرري كفعل نفسي وثقافي قبل أن يكون عسكريا او ماديا ففي كتابه معذبو الأرض يرى فانون أن أخطر ما يتركه الاستعمار ليس الدمار العمراني بل البنية النفسية المقهورة، حيث تظل عقلية التبعية تفتك بالشعوب حتى بعد رحيل المحتل. الربح عند فانون يبدأ بتحرر الإنسان من الداخل، حين يتحول من ضحية إلى مقاوم واع، وهذه الفكرة هي حجر الأساس لأي نهوض فلسطيني حقيقي.
أما إدوارد سعيد، فقد ذهب أبعد من ذلك في الربط بين الهوية والرواية حيث رأى ان الخسارة الكبرى تحدث عندما يتم مصادرة واستبعاد السردية الوطنية واجبار الضحية على الصمت وفي مجمل مشروعه الفكري شدد ادوارد سعيد على أن امتلاك الرواية هو شكل من أشكال الربح السياسي والرمزي وخصوصا في الحالة الفلسطينية.
المفكرون المعاصرون لم يكتفوا بوصف الربح والخسارة كمجرد نتائج، بل بلوروا أدوات تحليلية واستراتيجية لفهمها وتوجيهها. باولو فريري مثلا المفكر التربوي البرازيلي، رأى في التعليم التحرري أداة تحريرية واعتبر أن الربح يتحقق عندما يتم استعادة الوعي التاريخي للشعوب المضطهدة. ففي كتابه تعليم المقهورين شدد على أن الحوار النقدي هو بداية الطريق للتحرر، وهي فكرة تتقاطع بوضوح مع الحاجة الفلسطينية لإعادة بناء الوعي الشعبي في مواجهة الاحتلال والانقسام السياسي. كذلك نظر نيلسون مانديلا حيث كان يؤمن بأن النضال العادل لا يقاس فقط بالنتائج المادية الفورية، بل بالكرامة والعدالة طويلة المدى التي يمكن ان تتحول الى احدى أدوات المشروع التحرري، وحتى مارتن لوثر كينج يرى ان الخسارة الحقيقية ليست في التكلفة أو الصعوبات، بل في التخلي عن المطالبة بالحق
ستيف بيكو أيضا، أحد رموز النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا ومؤسس حركة "الوعي الأسود" لم يتحدث عن الربح والخسارة بمعناها الاقتصادي او العسكري، لكنه قدم فهما عميقًا للمعركة بين حركات التحرر والاحتلال أو القمع، من منطلق الكرامة/ الوعي/ والسيادة على الذات إن فلسفة ستيف بيكو تضع الربح الحقيقي في إحياء الذات الجمعية واسترداد الوعي، بينما تعد الخسارة الكبرى في أن يرضخ الشعب لصورته التي رسمها له المستعمِر
أيضا ومن خلال عدسة اخرى نظر مالكوم إكس إلى الربح بوصفه فعلا وجوديا يبدأ من الاعتراف بالقيمة الذاتية. للإنسان كان مالكوم يؤمن أن المعركة تبدأ حين يقر الإنسان بأهليته للحرية أما تشي جيفارا، فقد ربط الربح بالتحول الإنساني واعتبر أن الثورة لا تكتمل ما لم تنتج الإنسان الجديد القادر على تجاوز الأنانية، والنزعة الاستهلاكية، والخضوع للمصالح الضيقة.
لقد اتفقت كافة حركات التحرر عبر التاريخ وفي مختلف أنحاء العالم على مضمون واحد عميق مفاده أن مفهومي الربح والخسارة لا يقاسان فقط بنتائج المعارك أو السيطرة على الأرض، بل يقاسان بمدى القدرة على بناء الوعي الجمعي، وصون الكرامة الوطنية، وتحويل الهزائم إلى محطات للنهوض بالإنسان
مثلا في الصين كان الزعيم الثوري ماو تسي تونغ يؤمن أن الشعب هو جوهر النصر وأن الصمود في "المسيرة الطويلة" لم يكن مجرد انسحاب عسكري بل ولادة جديدة للثورة من رحم التعب والمعاناة . اما في اليابان وبعد الهزيمة التي لحقت بهم في الحرب العالمية الثانية برز المفكر دايساكو إيكيدا ليؤكد أن الهزيمة لا تتحول إلى خسارة حقيقية إلا إذا قبلنا بها داخليا، بينما رأى الفيلسوف نيشيدا كيتارو في السياق ذاته أن الذات تنمو وتتجدد عبر الانكسار والتحول.
وتتشابه هذه التجارب مع رؤى نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، وهوشي منه في فيتنام، وسيمون بوليفار في أمريكا اللاتينية، الذين اعتبروا أن النصر لا يختزل في طرد المحتل فقط، بل في إقامة مشروع تحرري إنساني عادل يعيد للشعوب وعيها وكرامتها ، هكذا يصبح الربح الحقيقي هو استعادة المعنى، وترسيخ الهوية، وتحرير الإنسان قبل الأرض
كل هذه الرؤى، حين نضعها في سياق التجربة الفلسطينية، تكشف أن سؤال الربح والخسارة ليس سؤالا عابرا، بل سؤالا مركزيا في بلورة أي مشروع تحرري عادل، يدمج بين المقاومة والوعي، بين الأرض والكرامة، بين الرواية والإنسان وبين إعادة تفكيك الأدوات التقليدية لمشروع التحرر وإعادة تقييمها بشكل عميق
حين نضع كل هذه الرؤى في ميزان التجربة الفلسطينية، ندرك أن الفلسطيني لم يكن يوما غائبا عن معادلة الربح والخسارة، بل كان في قلبها، كفاعل فكري وثقافي في المعركة العالمية ضد الظلم. وامتداد لنماذج التحررفي العالم. إن النماذج التي طرحها مفكرون ومناضلون مثل فانون وسعيد وفريري ومالكوم إكس وجيفارا، تقدم للفلسطينيين أدوات تحليل واشتباك متجددة، يمكن توظيفها لتجاوز ثنائية "الربح السريع والخسارة المؤقتة"، نحو وعي أكثر عمقًا بطبيعة التحرر وجدلياته المتحركة.
من فانون نتعلم أن أول الربح هو تحرير الإنسان من الداخل، ومن فريري نتعلم أن الوعي النقدي هو السلاح الأهم، ومن سعيد ندرك أن امتلاك السردية هو شكل من أشكال السيادة، ومن جيفارا نستعيد ضرورة أن لا نهزم ونحن في خضم البرنامج التحرري، ومن مالكوم إكس نسترجع أهمية الكرامة الفلسطينية كبوصلة، ومن شارب نكتشف قوة اللاعنف كتكتيك تفكيكي، ونقيم خيارتنا وادواتنا ونستحدث أدوات جديدة غير تقليدية، ومن ستيف بيكو في جنوب افريقيا نتعلم ان التحرر الداخلي من عبودية المحتل أولى خطوات التحرر من الاحتلال
وهكذا يصبح الربح الحقيقي في الحالة الفلسطينية غير مرهون بلحظة انتصار خاطفة، بل مرتبط بإعادة تشكيل المعنى، وبناء مشروع تحرري جامع، لا يرى في الأرض فقط جغرافيا، بل كرامة وهوية ومستقبل. مشروع يعي أن الخسارة ليست نهاية، وأن الربح ليس حدثا للاحتفال، بل مسارا طويلا من تراكم الوعي، وصناعة الأمل، وتعزيز الصمود.
ان اختزال مبدا الربح والخسارة في صراعنا مع الاحتلال بميزان القوة العسكرية أو في نتائج جولات التفاوض هو خيانة لفهم أعمق وأشمل لمعنى الربح والخسارة في مسارات الشعوب المقهورة. فالفلسطيني الذي عايش النكبة والشتات والاحتلال والانقسام لم يتوقف يوما عن إعادة تعريف ذاته وموقعه ومعنى نضاله. ومن هنا لا بد من تطوير فلسفة فلسطينية للربح والخسارة، لا تستعير فقط أدوات تحليل من تجارب الاخرين، بل تعيد توطينها داخل الواقع الفلسطيني بكل تعقيداته وتناقضاته.
في هذه الفلسفة، لا يعد الربح مرادفا لاسترجاع الأرض وحدها، بل لاسترجاع الإنسان الفلسطيني لنفسه، لوضوح قضيته، لوحدته الوطنية، ولحقه في أن يعرف ذاته دون وصاية أو تزييف أو تفويض ناقص ، والخسارة لا تكون فقط في فشل معركة أو انهيار اتفاق بل في استمرار الانقسام، بل في تآكل المعنى لمفهوم الانسان المظلوم، وفي تصدع الوعي لمفهوم الاحتلال الظالم ، وفي الخضوع لروايات الآخر وفي تشرذم الهوية الوطنية وانقسامها.
لقد آن الأوان للخروج من ثنائية "خسرنا المعركة وربحنا التعاطف" أو "ربحنا معركة الخطاب وخسرنا الأرض والانسان" إلى صياغة رؤية أكثر تماسكا، مفادها ان التحرر مشروع طويل الأمد، لا يقبل القسمة على اثنين ولا يقاس بلحظة ولا يدار بردود الفعل المؤقتة والعاطفية سواء سياسيا او عسكريا، وحدة هذا المشروع يمكن أن ينتج إستراتيجية فلسطينية جديدة، لا تخاف الخسارة المؤقته ولا تنخدع بربح عابر، استراتيجية مفادها ان الانسان الفلسطيني بكل ما يمتلكه من قداسة الوجود هو مفتاح التحرر وركيزة النهوض.



