الكاتب : د. بسام سعيد
تتخذ الدكتاتوريات في عالمنا صورتين واضحتين: دكتاتورية خشنة تُمارس بالبطش والقوة، وأخرى ناعمة تتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية حتى نكاد لا ننتبه إليها. فالدكتاتورية الناعمة ليست حكرًا على الحكام أو أصحاب النفوذ؛ بل كثيرًا ما يسكن شيء منها في داخل كل واحد منا. تظهر في سلوكنا التربوي والاجتماعي والأُسري، وفي أسلوب إدارتنا لمواقعنا_ مهما صغرت _ فلا نقبل منافسًا، ولا نرحب بمشاورة، ولا نحتمل رأيًا مخالفًا، ولا نؤمن بحق الآخرين في المشاركة أو الاختيار في سلوكنا اليومي دون أن نشعر.
فكم من موقع صغير أو مؤسسة يتحول إلى مملكة مغلقة، وكم من مسؤول أو ربّ أسرة أو مختار يرفض الشراكة، ويضيق بالرأي، ويصادر الاختلاف باسم الإدارة أو التربية أو الحرص.
أما الدكتاتورية الخشنة فتمارسها السلطة السياسية أو المسؤول الكبير، حيث تتعدد وسائل العقاب وتتسع مبررات البطش، ويصبح الاعتقال والتضييق أدوات عادية في يد الحاكم. وهذا، للأسف، واقع تعيشه مجتمعات عديدة، وتترسخ ملامحه في مؤسسات حكومية وأهلية على حد سواء، حتى بات الفساد والاستزلام وتقديس الفرد والنفاق مخرجات طبيعية لهذا المناخ المشوه.
فالاستبداد السياسي لا يولد من فراغ؛ إنه الامتداد الطبيعي لاستبداد اجتماعي وتربوي ترسخ في البيت والمدرسة والمؤسسة، حيث يُربّى الفرد على الطاعة لا المشاركة، وعلى الخضوع لا الحوار. وحين تتوفر أدوات القمع، يتكامل المشهد: فساد، نفاق، استزلام، وخلاص فردي.
إنّ استمرار هذا الواقع يجرّنا إلى التراجع والتخلف والفقر المعرفي والمعيشي. ولذلك نحن بحاجة ماسة إلى مراجعة جذرية لأساليب التنشئة الاجتماعية والسياسية في البيت، والمدرسة، والمؤسسة، ودور العبادة. نحتاج إلى تربية تُقصي ثقافة الإلغاء والإقصاء، وتُعلي من قيمة الشراكة وقبول الآخر، وتواجه السلوكيات النابعة من القمع والاستبداد والأنانية والنفاق وغياب القدوة.
إن معركتنا الحقيقية تبدأ من الداخل، من مواجهة الدكتاتور المختبئ في ذواتنا قبل التصدي للدكتاتورية التي تفرضها الأنظمة. فما لم نهزم هذا المستبد الداخلي، سيظل حاضرًا يفسد علاقاتنا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا، وقد يهزمنا في النهاية ونحن لا نشعر .
* أكاديمي وباحث



