الكاتب : جواد بولس
أقدم مجهولون فجر يوم الاثنين الفائت على إحراق شجرة عيد الميلاد، التي نصبت في باحة «كنيسة الفادي» التابعة لكنيسة اللاتين في جنين. مع انتشار الخبر سارعت عدة جهات، رسمية وشعبية، مسيحية ومسلمة، محلية ودولية، إلى استنكار الحادثة وإدانتها ووصفها، كما جاء، مثلا، على لسان الأب فادي جبران، راعي الكنيسة في جنين، بأنها «حادثة غريبة لا تمتّ بصلة لثقافة وقيم المجتمع الفلسطيني القائمة على المحبة والتسامح والتعايش».
لقد أثارت انتباهي هذه الحادثة لما تحمله من غرابة وعبثية تذكّرنا بهشاشة الحالة الفلسطينية العامة، وتعقيداتها، كلما طرأت عليها حادثة مستفزة، رغم خستها وهامشيّتها إذا ما قورنت بالمآسي التي يضج بها محيطها الطبيعي، ويعيشها سكان هذه المنطقة.
قد تتوصل قوات الأمن الفلسطينية إلى هوية الجناة، ويتبين أنهم مجرد «أطفال» غررت بهم ساعة طيش ولدانية، فنكّلوا بما هو ليس منهم ولهم؛ أو يتبين أنهم أكبر من أولاد، أغوتهم فطرتهم الإيمانية للدفاع عن مقدسهم ورفض كل ما هو بدعة وضلال، وشجرة الميلاد، وفق ما لقنوهم، هي واحدة من تلك البدع المحظورة. وقد تسجل الحادثة بحق مجهولين لتتسع الفضاءات أمام «المهتمين بالشأن المسيحي في فلسطين»، ليطلقوا نظرياتهم المغرضة واتهاماتهم المفسدة، وجلّهم غير حريصين على مصالح المسيحيين في فلسطين، ولا على سلامة فلسطين ووحدة شعبها ونسيجه التعددي والوطني.
استعداء شجرة الميلاد ومحاربتها في بعض مجتمعات الشرق وغيرها في العالم، هي ظاهرة معروفة عبر التاريخ؛ فمكانة الشجرة ومعانيها، بالنسبة لأتباع الديانة المسيحية، لم تتغير منذ قرون؛ «والمتأذون» والمستفَزون منها من أتباع الديانات الأخرى لم يتغيروا منذ قرون، في كل مرّة أقرأ عن حرق شجرة الميلاد، خاصة من قبل عنصريين يهود، أتساءل لماذا يخشاها هؤلاء ولماذا يستعديها بعض الجهلة في أوطان العرب وفي بلادي؟ يا ليتهم يعرفون ماذا كانت تعني لنا شجرة الميلاد. في بيتنا عندما كنا أطفالا كان الحديث عن شجرة الميلاد يبدأ في منتصف شهر كانون الأول/ ديسمبر عندما كان همّ أبينا، قبل انتشار بيع الشجر الاصطناعي كما في هذه الأيام، الحصول على شجرة سرو ممشوقة ومكتنزة، مرفوعة الرأس واثقة ومستعدة كي تكون بيتاً لفرح غير عادي ومسكناً لنجمات سيسقطن في ليل مسحور ويعلقن بين أغصانها ليضئن مغارة طفل السماء. كنا، نحن الصغار، نتحلق حول جذع الشجرة، كنحلات تائهات، وفوقنا كان الكبار يعلقون ما عندهم من زينة صنعت خصيصا لشجرة الميلاد. مكعبات قماشية ملونة وكرات من زجاج أملس، طغى عليها اللون الأرجواني، والأزرق والأخضر السماويان، وعصافير ونجمات وأجراس. اشترى أهلي معظم هذه الأغراض، هكذا أتذكر، خلال زياراتهم للأردن قبل حرب حزيران/يونيو 1967 حين سمح لهم بزيارته كحجاج مسيحيين وللقاء أقاربهم اللاجئين فيه.
كنا صغارا وفي حلٍّ من إلحاح الأسئلة الكبيرة، أو التفتيش عن المنطق الذي خبأته سروة كانت بالنسبة لنا أول إشارات الفرح وبشائر عيد، لم نعرف عنه إلا ما لقّنونا في المدرسة وفي البيت؛ فكما لُقن الذين من قبلنا وزرعوا في صدورهم الشجرة لقنوننا حتى كبرنا وصار الزمن مرضع حكمتنا والتجارب مسنّات أيامنا.
في طفولتنا كانت الشجرة هي الحلم وهي الحقيقة، وكان الأمل أخضر يعشش داخلها. وعندما كانت تجهز بكل زينتها ويضع أهلنا في أسفلها المغارة والمذود، كانت تصير غابة جميلة وصغيرة وكنا نودع فيها أحلامنا وأمانينا. لم تزدني الشجرة في طفولتي تديّنا ولا إيماناً، بل علّمتني، هكذا اكتشفت، عندما حك عقلي جذع اليقين، كيف أترك خيالي يندفع كالأيائل في مراع الدنيا، وكيف أعدو وراء الصمت لأجد النبع. كنا نضع تحت أغصان الشجرة مذوداً مصنوعا من خشب الزيتون ونضع فيه تمثالا صغيرا نسميه يسوع. لا أتذكر اليوم متى بدأت أصلي وأطلب من يسوع الذي في الحكاية، أن يحميني ويبعد عني المرض، وأن يجعل من أحبها تبتسم في وجهي. كل ما أتذكره أنني كنت طفلا مؤمنا صلباً كالحجر، ولم أتنازل عن صلاتي حتى عندما كان يجهدني تعب الغبار في الحارات، فكنت أتلوها متثائباً ويقيني أن يسوعي سيقبلها لأن ما أطلبه فيها كان أبسط من إحياء ميت أو إشفاء الأعمى.
مرت سنون طفولتي بسرعة فراشة تطير بفرح على جناحي سعادة وقلق؛ كبرت على حين سفرة وقبلة، وسرى الشك في صدري حتى افتقدت يقيني. غابت «براءة السرو» وبدأ ايماني الفج يشيخ ويموت. لم أشعر متى وكيف أضعت يسوعي ولا لماذا توقفت عن استجدائه، ربما لأنني زرت يوماً مهده في مدينة بيت لحم الفلسطينية، فوجدت جند «قيصر» يحاصرون أهلها ويذلونهم. كان البرد في تلك الليلة قارسا، والمؤمنون، شعبه المخلص، يملؤون ساحات المهد ويتضرعون أمام مهده من أجل خلاصهم، كانوا ينتظرونه، عاماً بعد عام، تحت تلك السروة وفي المغارة، لكنّه لم ينجّهم من القتلة والشريرين. عدت الى قريتي عساني أجد فيها يسوع الذي كان ينام معنا أطفالًا تحت «سروتنا»، لكنني لم أجده، بل سمعت في شوارعها أناسا مرضوا باليأس ونسوا «لغة السرو» فطفقوا ينشدون مع أمل دنقل: «المجد للشيطان معبود الرياح/ من قال «لا» في وجه من قال «نعم»/ من علّم الإنسان تمزيق العدم/ وقال « لا» فلم يمت وظلّ روحاً أبدية الألم».
في القرية تذكرت كيف كنا عندما كان يدق العيد عتبات بيوتنا ننام على وسائد نزرع تحتها أحلامنا وملابسنا وأحذيتنا الجديدة. كانت ليالينا في الميلاد رحلات من صلاة ونبيذ ومرح. كان يسوع يحب قريتنا كلها. كنا نحسه معنا في بيوتنا وفي حاراتنا، لم «يسرقه» منا أحد ولم يحجبه عنا شيء. كان يسوعنا عادلا ويحب أطفال العالم وينصف المظلومين. لم نقلق عليه ولم نخف منه. لقد كنا صغارا وأنقياء ولم ندرك وقتها أن يسوعنا قد يصير أكثر من مسيح ويدّعي حُبّه «الكبار» ويسرقه المنافقون والدجالون وصيارفة الهياكل الجديدة.
مرت السنون وأضاعت فلسطين يسوعها؛ يفتش أولادها عنه فلا يجدوه إلا بين الأنقاض وأنفاساً لاهثة في صلوات الفقراء. فلسطين في هذه الأيام تناجي يسوعها. تنتظره بحزن وتراه هناك بعيداً ومخبّأً في جيوب حكّام عتاة يستجيرونه أيام الأحد ويقلونه في طائراتهم وهي تقتل أطفالها وأبرياءها والفقراء. لا أعرف إذا كان القصد من حرق شجرة الميلاد في جنين إشعال الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، أو حرف أنظار العالم عن مأساة غزة وجنين وأخواتها في الضفة الغربية، أو كل هذه الخيارات مجتمعة، لكنني سأقول لجميع من استنكر وشجب ولجميع من استثمر في الحدث: إننا كنا في فلسطين ننتظر الميلاد بفرح لأنه «ميلادنا»؛ فهو لم يكن عيداً للأولاد، بل مواسم للوداعة وللسلام. كان تساقط الشتاء في الميلاد يعني رسائل حب بين العباد وبشائر رضا من السماء ووعودا بالخير لأصحاب البشارة والقيامة والميلاد. ولكن فلسطين، هكذا يبدو، قد أضاعت يسوعها ونامت مثلما ينام الرماد.
لست حزيناً على إحراق شجرة عيد الميلاد، لا هنا ولا هناك؛ فأبناء الفرح، أطفال الحياة، في فلسطين وفي العالم، سوف يضيئون شجرات الميلاد وسيودعون فيها أمانيهم وسينامون بجانب يسوعهم حالمين بأن تطل عليهم نجمة الصبح وتمطرهم هدايا وأغنيات. لست حزيناً على شجرة أحرقت، فمأساتنا، نحن في فلسطين، مسيحيين ومسلمين، أننا نقف على عتبات جهنم وبعضنا يدفع بعضنا إلى بطنها، ولا من صارخ كيف النجاة.



